آخر 10 مشاركات بوح قيثارة الحياة ( آخر مشاركة : - )       نوريات الخبثاني ( آخر مشاركة : - )       بقايا نحن .. برهان المفتي ( آخر مشاركة : - )       العراق ( آخر مشاركة : - )       اِمطري غضباً ( آخر مشاركة : - )       تراتيل .. سليم الحسنات ( آخر مشاركة : - )       الخلاص من الخلاص ( آخر مشاركة : - )       (انا مشتاق) ( آخر مشاركة : - )       في بلاد النخل ( آخر مشاركة : - )       خوف ( آخر مشاركة : - )      
العودة   موسوعة شارع المتنبي القراءات والدراسات النقدية والبحوث القراءات والدراسات النقدية والبحوث

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:37 PM

سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى

كتبها احمد امرير



مقدمة

إن أي موضوع يوضع قيد الدراسة، تكون من ورائه دوافع، ويسعى لتحقيق غايات وأهداف. هذه الدوافع والأهداف هي ما جعلنا نختار هذا الموضوع : "سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى : مقاربة تواصلية نقدية"، فمن جهة كان انشغالنا طوال المسار الدراسي بمفهوم الخطاب اللغوي / الملفوظ على حساب البصري المسموع، إذ، تبين لنا أن مفهوم الخطاب اليوم، أصبح يتجاوز المفهوم الكلاسيكي. إذ، تعددت مجالاته وآلياته وأهدافه، الشيء الذي انعكس على تعريفه، وهي طبيعة المفاهيم برمتها، فكلما تعددت مجالات توظيفها، تعددت تعريفاتها، وهي خصوصية مفهومية.

لقد أصبحنا نسمع عن خطاب سياسي وخطاب إعلامي وخطاب إشهاري وخطاب يومي مجاني، ملازم للإنسان، فلم يعد هذا الخطاب مفهوما مقتصرا على المقروء والمسموع، بل أصبحنا أمام خطاب بصري / مرئي / مشهود، مما يلزمنا استكناه خصوصياته وتجلياته، وبالتالي البحث عن المعنى فيه، والسؤال عن نقط الائتلاف والاختلاف بين المرئي / البصري، والمسموع والمقروء.

ولعل أقوى مستوى ظهور الخطاب البصري وأكثره أداء، مجال الصورة بتشكلاتها المتنوعة، وهو المجال ذاته الذي سيحظى منا بالدراسة والمعالجة والبحث مع الصورة عن آليات أدائه وإنتاجه لمعنى دلالة ما، في زمن أصبحنا نتعايش مع الصورة في كينونتنا السيرذاتية واليومية. فالصورة تجد لها مكانا في الجريدة والمجلة والتلفزيون والسينما واللوحة التشكيلية واللباس والكتاب وعلى واجهة الجدران والحافلات والسيارات وعلى صدر لوحات منصوبة على أعمدة بجانب الطريق، بل وفي بعض المدن والبلدان المتقدمة، تنصب لها (أي صورة) شاشات عملاقة تقوم فيها على مبدأ التناوب وفق ما يقتضيه ظرف ومصدر وهدف إنتاجها، وهي كذلك في الملصق بهوياته المختلفة، التجاري والتحسيسي والإخباري.

وفي ظل هذه الثقافة : ثقافة الصورة واستهلاكها بعفوية وإطلاقية غير واعية، أصبح لزاما على متلقيها التعامل معها بوصفها خطابا موازيا للخطاب اللغوي الكلاسيكي، خصوصا وأن الصورة كما يقول المثل الصيني : "الصورة بألف كلمة"، واستكناه المعنى / الدلالة التي توحي بها وتستهدف إبلاغها باعتبارها دالا، وذلك لن يحصل إلا باستكشاف آليات القول / التخاطب التي توظفها في أفق التوصل إلى ما ترسمه من غايات.

وسنحاول قدر ما أوتينا من معارف وميكانيزمات إجرائية، وما توصلنا إليه عن طريق التراكم المعرفي خلال احتكاكنا ببعض الدراسات المهتمة بالخطاب الصوري : آلياته ودلالته، الجواب عن أسئلة في حقيقة الواقع مزعجة ومحرجة، وسبب هذا الإحراج ناتج عن النقص في الكم والكيف المعرفيين المتوافرين لدى المتلقي. إذ لسنا كلنا نفهم الصورة، حتى إذا فرضنا حصل هذا الفهم، فإنه بالأكيد متفاوت، وبدرجة قصوى، تتحكم فيه مستويات إدراكية –وهي الأخطر- ومعرفية وثقافية وسوسيو بيئية واقتصادية. وإذا ما توافرت هذه المستويات -وهذا لن يحصل- في متلق مفترض، فإن الضرورة المنهجية والإجرائية تبقى غير موحدة، تبعا للمدرسة السيميولسانية التي ينتمي إليها محلل الصورة، حيث البعد الإيديولوجي والأكاديمي حاضر، إذ لا تسلم منه أي دراسة.

فإذا اقتنعنا بعدم وجود إبداع بريء، و لما كانت الصورة إبداعا في بيئة ثقافية، فكيف نتصور خروجها عن منطق هذه القاعدة الثابتة، فكما أن اللغة بل "الكلمة الواحدة حاملة للإيديولوجيا*" فكذلك الصورة حاملة له. إننا نعيش في عالم الصورة وعولمتها، فنكون مضطرين لاستهلاكها بل وابتلاعها، إلا أننا نقول : إن النوع / التصنيف المشار إليه من الصور هي صور مؤطرة : تدخلت فيها اليد البشرية / الصناعية، فتم تسخيرها للتأثير على الجمهور في مختلف المجالات والأغراض، أما الصور الأخرى اليومية / الحياتية، فهي صور طبيعية خاضعة لقوانين فيزيائية. ولندرك هذا الإشكال أكثر، فإذا كانت آلة إدراك الصورة هي الرؤية/الأبصار، فلنوظفها إذا توافر نور وضياء في الموقع الذي نحتله ونشغل حيزه لمشاهدة ألوف الصور.

وإذن، يتأكد أن الصورة معنا في حياتنا الطبيعية : المهنية والوظيفية، إلا أن النوع الذي يثير اهتمامنا وتساؤلنا، هي الصورة المؤسسة والمؤطرة، بوصفها إبداعا بشريا يوظفها للإبلاغ عن مشروعه الحياتي : الفكري / الثقافي، والاقتصادي / التجاري، والفني / الإبداعي. وذلك تبعا لمجال اشتغال مبدع هذه الصورة، والتزاما بالمبدأ / الإشكال الأساس الذي دفعنا إلى اختيار هذا الموضوع، والمتمثل بشكل خاص في العلاقة المحتملة الورود بين اللغوي : الملفوظ / المسموع والمرئي / البصري، فإنه وانطلاقا من إجراء اللغة في كونها الأداة الإجرائية والمنهجية الوحيدة الكفيلة بوصف وقائع غير لسانية، بعد أن أثبتت قدرتها في وصف ذاتها، انطلاقا من التعريف المتواتر الذي قدمه "سوسير" لعلم الدراسة اللغوية : اللسانيات هي : "دراسة اللغة لذاتها ولحد ذاتها"، وذلك لكون اللغة أرقى وأعقد الأنظمة التواصلية، كما أنه قد تنبأ بعلم جديد سماه بـ"السيميولوجيا" في مخطوطه : دروس في علم اللغة العام، وفيه أقر بانضواء اللسانيات تحت هذا العلم الجديد : "السيميولوجيا" إلا أن هذا الأخير لم يحظ منه بالبحث والدراسة وذلك في نظرنا راجع إلى التعريف الذي قدمه "سوسير" بخصوص اللسانيات، وحصر موضوعها ومجال اشتغالها.

إن الدراسة البنيوية لهذا النظام التواصلي -اللغة- أبعدت اهتمامه، إما عن وعي أو عن غير وعي بهذا الإجراء، عن دراسة الأنظمة / الأنساق التواصلية غير اللسانية، وكذلك شأن الباحثين من بعده، وحتى إشارته إلى هذا النوع من العلم (السيميولوجيا) كانت بشكل مقتضب وإشاري، إذ لم يحدد له مسارا ولا مفاهيم، بل اكتفى بتعريفه تعريفا عاما ومطلقا : "السيميولوجيا" هي : دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية"[1] إلى حين ظهور مدارس سيميائية ودراسات في ذات المجال من إنجاز : شارل ساند يرس بيبرس C.S.Pierce، جوليان الجيرداس كريماص A.J.Greimas، أمبيرطو إيكو A.Ecco، جوزيف كورتيس J.Courtus، رولان بارث R.Barth، جوليا كريستيفا J.Kristiva وغيرهم ممن اشتغلوا بالحقل السيميائي، وطوروا أطروحات سوسير، وأغنوه مفهوميا. وفي العالم العربي نذكر الاسم البارز، الباحث المغربي الدكتور سعيد بنكراد قارئا حصيفا ومترجما جادا بمشروعه الفكري الأكاديمي، حيث يقدم لنا هذه المدارس في خطوطها العريضة : المنشأ والمبادئ والطموحات، بل وليس هذا فحسب، إذ نجده في مشروعه يوجه انتقادات لاذعة لبعضها إما بخصوص التفريط أو الإفراط والغلو في بعض الأحيان، كما أسس مدرسة سيميائية مستقلة، وقدم قراءات سيميائية في ألبوم فوتوغرافي للمخرج السينمائي المغربي داوود أولاد السيد، وأيضا دراسات في مجال الصورة الإشهارية. وممن لهم اهتمام أيضا بالجانب التحليلي للصورة، الناقد السينمائي المغربي، حميد أتباتو ومحمد اشويكة ورشيد الحاحي ومحمد الغرافي وغيرهم، ومن مثل هذه الدراسات استفدنا كثيرا في مشروعنا هذا، وهي السند المرجعي لدينا أيضا بهدف إغناء هذا البحث.


إن السيميائيات بوصفها علما جديدا لم يولد في استقلالية تامة عن العلوم، بمعنى أنه لم يستند إلى مرجعية مبدئية وفلسفية ومعرفية، بل استمد أصوله ومبادئه من مجموعة كبيرة من الحقول المعرفية كاللسانيات[2] والفلسفة والمنطق[3] والتحليل النفسي والاجتماعي[4] والأنتربولوجيا[5]، ومن هذه الحقول استمدت السيميائيات أغلب مفاهيمها وطرق تحليلها، كما أنه موضوع غير محدد في مجال بعينه، فالسيميائيات تهتم بكل مجالات الفعل الإنساني : إنها أداة لقراءة كل مظاهر السلوك الإنساني بدءا من الانفعالات البسيطة ومرورا بالطقوس الاجتماعية وانتهاء بالأنساق الإيديولوجية الكبرى.[6]

إن هذا التداخل الآلي والإجرائي، المنهجي والمعرفي والمفهومي، وهذا الشراب واللقاح المعرفي الذي ينفرد به هذا العلم، السيميولوجيا، هو ما حذا ببعض الكتابات إلى تبني فعاليته واعتباره العلم الوحيد الذي بمقدوره دراسة كل العلوم، وهنا يتركز اهتمامنا حول هذا التداخل وظروفه وأهدافه ومدى ادعاء بعض الطروحات النظرية في هذا الحقل المعرفي الجديد. واهتمامنا قد يتجاوز هذا الإشكال في أفق استجلاء إشكالات أخرى أكثر جرأة وتركيبا، وتلك هي بحث العلائق المحتملة الورود بين اللغة : المقروء / المسموع والمرئي، البصري، وخصوصا إشكال الإشهار أو فن الملصق، ومدى دلالة وحضور اللغوي ضمن مساحته الأيقونية والتشكيلية.

إن المتتبع للمشهد التواصلي يجده ثريا ومركبا وبالتالي معقدا، ثراه هذا اكتسبه من خلال تعدد وسائطه والعناصر المساهمة في حصوله. أما تركيبه فقد أتاه من كونه متداخلا مع مجالات أخرى، ولما نتواصل، عما نبحث ؟ إنه بكل تأكيد، أن ننتج معنى / دلالة ولا غير، من هنا استكملت فكرتنا نموها فترسخت لنا قناعة مفادها، أنه إذا كان ينظر إلى اللغة : الملفوظة / المسموعة على أساس أنها أداة إجرائية وضرورية للتواصل، فما مدلولية الوسائط الأخرى ؟ أي الأنساق التواصلية غير اللسانية. هل اللغة وحدها كفيلة بإنتاج دلالة / معنى ؟ ما الذي يمكن أن تضطلع به الأنساق التواصلية الأخرى، وفي مقدمتها الصورة بوصفها الأداة القوية والفعالة التي أصبح ينظر إليها الأداة التواصلية المضطلعة بمهمات تواصلية وتربوية وعلاجية وجمالية؟ هل للأداء البصري دلالة / معنى ما ؟ إلى أي حد يمكن للأداء البصري أداء هذه الدلالة في غياب النص اللغوي المرفق بإرسالية بصرية ما ؟ ماطبيعة العلاقة بين الأداء اللغوي والبصري : الأيقوني والتشكيلي ؟ هل هي علاقة تكامل أم تضاد أم تثمين ؟ ما هي مستويات حضور اللغوي في البصري ؟ إلى أي مدى تستجيب الإرسالية البصرية لقواعد النحو / النص اللغوي ؟ كيف وما مساحة اشتغال المفاهيم السيميائية داخل الإرسالية البصرية ؟ كيف ومن أين تكتسب الصورة قوتها الإبلاغية والتواصلية ؟ كيف يتم اشتغال الجسد كونا بيولوجي وثقافي في الصورة ؟ ما هي تمظهراته ؟ كيف يحضر باعتبار النوع والحامل الثقافي ؟ تلك إشكالات كبرى أثرناها بهدف الاقتراب منها، كما أن التوجه والمسار العام الذي يحكم تصورنا لهذا الموضوع / الإشكال، ينطلق نبع أسئلته من هذا الطرح الفلسفي والإبستيمي.

وإذا كان من الواجب تقديم جواب عن كل سؤال، فإن مبدأنا العام هو السؤال وطرح الإشكال، وذلك إيمانا منا بتعدد هوية الجواب. منشأ هذا التعدد، كون الحقيقة لم تعد أحادية المصدر، وهي حقيقة وسائطية، وأن ما يقدم من أجوبة، إنما هو تأويل من بين جميع التأويلات الممكنة، وهي الطبيعة أو المبدأ العام الذي يتأسس عليه نسق معارفنا. إن ما نشاهده في صورة ما ليس هو حقيقة ذلك الشيء الذي تمثله، بدعوى اختلاف وتعدد المنظور الرؤوي / البصري، أي تبعا لزاوية أخد الصورة وظرف التلقي، وأنها أيضا تتأسس على مبدأ الجمال والجودة : صورة جيدة تهدف إلى حصول التأثير في أقل فترة زمنية ممكنة وعلى الأخص لما يكون الموضوع يستهدف تقديم منتوج أو استقطاب جمهور، في حالة الملصق الإشهاري.

وإذا كان ذلك حال الصورة : عدم مماثلتها للواقع، فإنه شأن المعرفة بشكل عام، إذ الموجه الوحيد لمعارفنا هو الإدراك، ومحدوديته تحد من معارفنا.

إن هذا التصور العام، والإشكالات التي تصاحبه، هي ما نود معالجته بالكم والكيف المعرفيين اللذين استجمعناهما طوال مسارنا الدراسي، وأملنا كبير وعزمنا أكيد في أن نوفق في عملنا هذا ونبلغ مداه.

وعليه، فقد كان مخططنا لدراسة هذا الموضوع على المنوال الآتي :

- الفصل الأول : سنخصصه للسانيات والسيميائيات، وسنفرد له مبحثين :

في المبحث الأول : سننطلق من دراسة البعد التاريخي في نشوء الظاهرة اللسانية، وسنعرض لموضوع اللسانيات الذي ظهر في القرن التاسع عشر وبلغ مداه في القرن العشرين، بظهور مدارس لسانية مختلفة والتي تستهدف اللغة موضوعا للدراسة والبحث.

أما المبحث الثاني : فسنتطرق فيه للبعد النظري والمفهومي للدراسة السيميائية، حيث سنعرج خلاله على قراءة أولية لنشأة المدرسة والدراسة السيميائية مع "فرديناند دي سوسيرF.De Seussur" و "شارل سندرس بورس C.S.Pierce" اللذين أرسيا مفهوم السيميولوجيا، وأسسا الملامح الأولية للدراسة السيميائية، التي استفادت كثيرا من الدراسة اللسانية اللغوية، بعد ذلك سنثير مجال اشتغال السيميائيات وموضوعها، باعتبارها علما لتتبع العلامة أنى وكيف وجدت لاقتناص الدلالة والمعنى، وسنختتم هذا المبحث بالوقوف على اتجاهات سميولوجية : الاتجاه الأمريكي والفرنسي والروسي والإيطالي، ثم سنعرض لبعض المفاهيم الأساسية في السيميائيات البصرية : العلامة والرمز والإشارة والمؤشر والأيقون.

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:38 PM

- الفصل الثاني : سنخصصه لمحور الخطاب البصري وتمظهرات المعنى، ويضم مبحثين :

وسنفرد المبحث الأول منه للحديث عن الخطاب حول الصورة وأنواعها كما سنشير فيه لعدد من تمظهرات الصورة في الخطاب البصري : الصورة الثابتة والمتحركة، والأنواع المدرجة ضمنها، ثم سنكشف عن بعض آليات قراءة الصورة والمقومات اللازم استحضارها لفهم إرساليتها البصرية.

وفي المبحث الثاني، سنقف على المعنى بين الأداء البصري واللغوي، وسنعرض فيه لمدلول الأداء البصري واللغوي وطبيعة العلاقة بينهما، آخذين بعين الاعتبار "الملصق الإشهاري La Fiche publicitaire" نموذجا يشمل البعد الأيقوني والنصي، وسنحاول تبيان التكامل بين هذين البعدين، في بلاغة وإبلاغية الصورة في "الملصق"، ثم سنشير بعد ذلك إلى التقسيمات الممكنة للصورة بصفة عامة باعتبار اقترانها بنص أو ملفوظ من عدمه، كما سنبين ما مدى القوة الإبلاغية والتأثيرية للإرسالية البصرية، وما هي آلياتها في هذه العملية الإبلاغية والتأثيرية.

- الفصل الثالث : ومحوره البعد التواصلي للخطاب البصري، سنعرضه في مبحثين :

المبحث الأول سنخصه بالحديث عن التواصل وشموليته، حيث سنكشف أن التواصل أصبح لا يقتصر على التواصل اللغوي اللساني، على الرغم مما للغة من أهمية وقوة في عملية التواصل، وإنما هناك أنساق تواصلية أخرى أكثر تأثيرا وأقوى بلاغة مثل الأنساق البصرية، كالصورة التلفزيونية والإشهارية مثلا، كماسنتطرق إلى مسألة أخرى غاية في الأهمية, تكمن في أشكال تلقي الخطاب البصري, بحيث أصبحنا اليوم -في زمن وحضارة الصورة بامتياز-نستهلك أو بالأحرى نلتهم الصورة من دون أن تكون لنا أسس معرفية ومنهجية لتحليل وفهم آليات إنتاج المعنى والدلالة من قبل الصورة بشتى أنواعها.

وفي المبحث الثاني سينصب اهتمامنا على تيمة الجسد باعتباره نسقا تواصليا في مورفولوجيته وحركاته وإيماءاته، حيث سنعرض لبعض أشكال التوظيف البصري لجسد المرأة في الوصلات الإشهارية، وكيف يتم تهيئ الإيماءة والهندام.. لإثارة جاذبية وعاطفة وقناعة المتلقي.



* الايديولوجيا : أية مجموعة من الأفكار العامة، ولاسيما في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي السياسي. ويدل الفظ عادة في استعماله الراهن على نظرة متماسكة إلى العالم، يأخذ بها المرء لاشعوريا، مثلما يتحدث الماركسي عن "الايديولوجيا البورجوازية". ويستخدم هذا اللفظ أحيانا بمعنى مجموعة من المثل العليا أو المعايير غي المجدية، التي تقابل الأسباب ذات التأثير الفعلي. الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، هنتر ميد، تر، د.فؤاد زكريا، دار نهضة مصر للطبع والنشر، 1969.

-السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها، سعيد بن كراد، منشورات الزمن، الكتاب 11، ص، 06.[1]

-هناك بعض الدراسات تقول بإمداد اللسانيات لهذا العلم من الناحية المنهجية، وسنكشف عن ذلك.[2]

[3] - أبحاث كار ناب.

- جان بياجي.[4]

- كلود ليفي ستراوس.[5]

- السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، ص، 16.[6]

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 3  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:38 PM

الفصل الأول

اللسانيات والسيمائيات الطرح النظري والمفهومي



» ونستطيع إذن أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط المجتمعي … ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة Semiologie [...] وهو علم يفيدنا موضوعه الجهات التي تقتنص بها أنواع الدلالات والمعاني «

[دي سوسير]









الفصل الأول:

اللسانيات والسيمائيات الطرح النظري والمفهومي.

المبحث الأول : البعد التاريخي في نشوء الظاهرة اللسانية :

1. نشأة المدرسة والدراسة اللسانية :

ويبقى البعد التاريخي لدراسة من الدراسات أمرا إجرائيا بغاية حصول تأسيس و تأصيل للعمل المراد إنجازه. ولما كانت اللغة محط دراسة كان لابد من الوقوف عند أهم المحطات التي أثرت وأطرت مجال بحثها (اللغة الخطية)، فأين تتجلى أهمية المسألة التاريخية والتأسيسية والتأصيلية لهذه الدراسة ؟ أو ماذا تشكل الإجرائية التاريخية بالنسبة للدراسة اللغوية ؟ وهل من الضروري معرفة الجانب التاريخي لفهم هذه الدراسة ؟ ثم ما المقصود بالمدرسة اللسانية ؟

إن معرفة الجانب التاريخي لدراسة من الدراسات أو علم من العلوم المكتشفة من لدن العقل البشري ليتجاوز كونه إخبارا بما اكتشفته عقلية بشرية ما، في فترة زمانية معينة، ذلك "أن التأريخ لمجال من مجالات المعرفة الإنسانية هو أجل من أن يكون محض إعلام بأس كان، أو سردا يساق إلى قارئه للتفاكه والمتاع. ولكن الأخلق به أن يكون تصويرا لرحلة العقل مع الظاهرة المدروسة منذ تفتحت عليها الحواس البشرية ووعتها الأذهان، وعالجها العقل بالفحص والاختبار… والتجريب والتعميم والتجريد كشفا لمخباتها وصياغة للقوانين الحاكمة عليها.

لذلك كان التأريخ لعلم ما، تأريخا لعمل العقل… والتأريخ للعلم ليس بلاغا للناس بما كان ولا يزيد، ولا عرضا لما هي عليه حال العلم"[1].

ولما تساءلنا عن أهمية الجانب التاريخي، كان هدفنا تتبع المراحل والخطوات الكبرى_ وإن بإشارة قصيرة نظرا للمستوى المعرفي والمنهجي المتوافر لدينا وأيضا لضيق الحيز الزماني_ التي مر بها الدرس اللساني ومن ثم أن نطل على مدرسة لسانية أولى أرست أسس الدرس اللساني، وأمكننا بالتالي القول : إن الدرس اللساني بدأ منذ هذه الفترة أو تلك.

ولما كانت اللغة ظاهرة إنسانية واجتماعية، ووعاء لحمل المضمون الفكري، والسياسي والاقتصادي، وأداة للتواصل بين الشعوب بامتياز، من الضروري، أن ينصب اهتمامهم (الشعوب) حولها (اللغة) بالدرس والتحليل وأصل المنشأ وكيفية التداول. فكان الإغريق من الشعوب الأوائل الذين أبدوا اهتماما بالغا بالدراسة اللغوية، وأنجزوا بحوثا رصينة جدا بالقياس مع هذه الفترة وهي بحوث متقدمة و"كانوا أول المنظرين اللسانيين في العالم، وانفردوا بذلك لزمن طويل وكانوا أيضا أول من اهتم من الأوروبيين بالدراسة المنضبطة للنصوص المدونة"[2].

وقد أقصى اهتمامهم بالنصوص المنضبطة المدونة الجانب الشفوي في اللغة، ولم تعترف نزعتهم هذه بأهمية وسلطوية اللغة المنطوقة والمسموعة وكان اهتمامهم باللغة مؤطرا من طرف فقه اللغة الذي ارتبط "كارتباط العبد باللغة المكتوبة و نسى اللغة الحية المنطوقة. وفضلا عن ذلك فإن العصر الإغريقي واللاتيني هو الذي كان يستغرقه استغراقا كاملا"[3]. إذ " تجاوزت بحوثهم اللسانية الحدود الضيقة للأهداف العملية الخالصة، وصارت [اللغة] جزءا من مجال البحث الفلسفي … وقد ارتكزت الأفكار الأساسية الأولى عن الفصائل اللغوية، والأسس التي حكمت تركيب الجمل، والارتباط الواقع بين الفكر وعمليات الكلام، على أساس من هذا الاهتمام اللساني الذي انبثق في إطار الدراسات الفلسفية"[4].

وكانت الفلسفة الأفلاطونية مبنية على إشكال العلاقة بين الحدث الكلامي والمضمون الفكري فقد " كان منطلق أفلاطون الاقتناع بأن الكلمة هي الشكل المادي للفكرة"[5].

إن الاهتمام باللغة تؤطره عوامل إيديولوجية : الأفضلية اللغوية، فلليونان نظرة تفاضلية للغتهم على حساب لغات شعوب أخرى كما الشأن بالنسبة إلى اليهود فيما بعد، جعل ذلك فيما قبل القرن التاسع عشر، إذ كان المشروع اللساني يعالج اللغة خارجا عن هموم وأوضاع غير لسانية و"أن العمل اللساني جميعه مما تم إنجازه قبل بداية القرن التاسع عشر كان إما مكرسا لحل المشكلات العملية للغة في مجتمع بعينه وإما أنه كان إنجازا قد تم في إطار فلسفة أكثر اتساعا، أي هموم غير لسانية، ويمكن أن نقول اختصارا، إنه فيما قبل التاسع عشر لم يكن للسانيات وجود بوصفها مجالا معرفيا متميزا، له منهجه العملي ونظريته العامة الراسخة الأساس"[6]. إذ كانت كل أمه تنظر إلى لغتها بوصفها الأفضل من لغة أخرى. وكانت هذه النظرة الأحادية، الضيقة الأفق والمنكفئة على نفسها هي التي توجه وتحكم العمليات الأدائية اللغوية، و"قد تطلب الأمر آفاقا أوسع من المعرفة العامة، واتصالا بين الأمم المختلفة أكثر رسوخا، لإيجاد الأسس العقلية الضرورية لقيام بحث لساني منهجي أصيل" …، وذلك بهدف دحض الأفكار المسبقة غير العملية عن الدراسة اللغوية. وهي مهمة سيتولاها الدرس اللساني ابتداء، من ق 19 مع الأبحاث التنظيرية والتأسيسية للعالم السويسري "فردناند سوسيرferdinand de saussure‘.

أما في عهد الرومان وعصر النهضة، فظهر اهتمام كبير بالجانب اللغوي أكثر عملا، فعرفت هذه الفترة نحاة كبارا أنجزوا دراسات في النحو اللاتيني ولعل أبرزهم ‘بريشيان Priscian حوالي القرن 6 صاحب مؤلف ‘المنظومات النحوية Institutiones Gramatical ‘. وقد كان لهذه الأبحاث أثر كبير على الدراسات النحوية التي عاصرتها. ويبقى العصر الوسيط متقدما لتأريخ ظهور الدراسة اللسانية حتى في مناطق جغرافية غير الناطقة باللغة الهند أوروبية "وفي العصر الوسيط ازدهرت الدراسات اللسانية أيضا في المجتمعات التي لا تتحدث باللغات الهندية الأوروبية، فازدهرت بين العرب واليهود، الذين يمثلون مجموعة اللغات السامية"[7].

ولقد كان الدافع إلى الاهتمام بالدراسات اللغوية لدى العرب واليهود فهم النص الديني في كلتا العقيدتين، وأن "وراء البحث اللساني دافعا عمليا: هو الحاجة إلى دراسة القرآن [الكريم[8]] وهو الشأن أن الثوراة قبله فلقد "كان لليهود فضل الريادة في الدراسات اللسانية المقارنة "[9]. إلا أنه على الرغم من هذا التحليل على مستوى الاهتمام بالدراسة اللغوية، نجد غيابا على مستوى المنهج فقد "أخذ اليهود مناهج التحليل اللساني عن العرب مطبقين إياها على لغة الكتاب المقدس".[10]

وإذا كانت الشعوب الأوروبية قد عرفت الدراسات اللسانية مبكرا، فإن العرب واليهود لم يحصل عندهم وعي بالاهتمام باللغة "إلا في أواخر عصر النهضة"[11] . إن ما يطبع الدراسة اللسانية قبل القرن19 هو طغيان البعد الفيلولوجي (نقد النصوص اللغوية)، وهو ما يجعلنا نقول إن الدراسات اللسانية خرجت من رحم فقه اللغة، "إذا استخدم فقد اللغة منهاجا خاصا هو النقد. فإذا أراد أن يتناول المسائل اللسانية فإنما يفعل ذلك خاصة من أجل أن يقارن بين نصوص مختلفة و أن يحدد اللغة الخاصة لكل مؤلف كتاب"[12]. ولاشك أن هذه الأبحاث مهدت الطريق وهيأتها إلى اللسانيات التاريخية: فإن أعمال ‘رتشل Ritschl‘ المتعلقة بالشاعر الروماني ‘بلاوتوسPlaute‘ يمكن أن تسمى بالأبحاث اللسانية"[13].

ورغم كل هذا المنجز في مجال اللغة، فإن "اللسانيات في معناها الحقيقي، هي التي قد نشأت من دراسة اللغات الرومانية والجرمانية" وحصل ذلك مع الباحث ‘فريديريك كريستيان ديز FRIEDICH ‘CHRISTIAN DIEZ (1914-1876) ‘ نحو اللغات الرومانية 1838-1836 ، فقد أسهمت على الخصوص في تقريب علم اللسان من موضوعه الحقيقي (…) وأما العالم الأمريكي ‘ويتيني WHITNY ‘ صاحب كتاب ‘حياة اللغة 1875‘ فهو الذي كان بدأ الإنطلاقة الأولى وبعد حين تكونت مدرسة جديدة هي مدرسة النحاة الجدد" [14].

إن البحث اللساني مر بمرحلتين حاسمتين :

أ‌. مرحلة نشوء الدراسات اللسانية و غياب المدرسة اللسانية و تشمل :

1. محطة الإغريق (اليونان).

2. محطة الإمبراطورية الرومانية وتمتد إلى نهاية عصر النهضة.

3. محطة عصر النهضة حتى نهاية القرن الثامن عشر.

ب. مرحلة نشوء المدرسة والدراسة اللسانية وتضم هي الأخرى :

1. محطة القرن التاسع عشر.

2. محطة القرن العشرين.

وحسب ‘سوسير’ فإن: العلم الذي تأسس حول ظواهر اللسان مر بمراحل ثلاث متتابعة"[15]، نجملها فيما يلي :

* ظهور دراسة (علم النحو) مع الإغريق والفرنسيين.

* ظهور دراسة (فقه اللغة) مع ‘فريديريك اجوست وولف Fridirich August Wolf‘

* ظهور (الدراسة المقارنة) مع ‘فرانز بوبFranz Bopp ‘ 1816، وقد سبقته إلى ذلك العالم الانجليزي ‘وليام جونزW.JONES‘.





2. اللسانيات وموضوعها :

لكل علم مجال اشتغاله، وكون اللسانيات علما، فإن لها مجالها الخاص. فاللسانيات هي الدراسة الوصفية للغة وفق منهجية ومصطلحية مضبوطة.

و"يتكون موضوع علم اللسان أولا من جميع مظاهر اللغة الإنسانية وتعبيراتها، سواء منها لغة الشعوب البدائية أو الشعوب المتحضرة، وسواء تعلق الأمر بالعصور المغرقة في القدم، نقصد العصور الكلاسيكية أو عصور عهد الانحطاط"[16]. ولم يكن مقياس ‘سوسير’ لدراسة لغة من اللغات تقدما ولا تخلفا، بل هو المؤدى الصوتي والدلالي.

فقد أعلن ‘سوسير’ صراحة، أن موضوع اللسانيات، هي " دراسة اللغة لذاتها و لحد ذاتها"، مما يلزمه على أن يصطلح مفاهيم لدراسة هذه اللغة، فاقترح أربع ثنائيات لوصف اللغة/الكلام: الدال/المدلول والتزامني/ التعاقبي والتراصفي/ العمودي".[17]

وتم اعتبار المشروع التأسيسي السوسيري منطلق اللسانيين لتتوالى أبحاثهم في خدمة اللغة، إذ " ما لبثت أن اتسعت دائرة البحث مع بروز أسماء أعطت لهذا الحقل المعرفي مشروعيته وسعت إلى تأكيد علميته ضمن العلوم الإنسانية: بنفنسيت، هاليداي، يمشليف، تشومسكي وآخرون ممن ركزوا على اللغة والشروط التي تسهم في إنتاجها، بما هي أداة للتواصل على المستوى السيمولوجي"[18].

إذ " إن المسألة اللسانية هي قبل كل شيء مسألة سيميولوجية وكل بحثنا في تقدم هذا العلم وتطوره، إنما يأخذ مغزاه من هذا الحدث الجليل".[19]

لقد تميز الدرس اللساني " عند بداية القرن التاسع عشر ب [ ] تعلق البحث … أساسا بالمعطيات اللسانية الملموسة، وظل هذا الاهتمام الشديد بالحقائق الملموسة خاصية لافتة في لسانيات القرن التاسع عشـر

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 4  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:39 PM

بوجه عام… وأن القضايا اللسانية في اللغات غير الهندية الأوروبية لم تدرس دراسة جادة إلا بحلول نهاية القرن التاسع عشر"[20].

إن هذا الطرح هو ما يجعلنا نقول: إن الدرس اللساني في معناه الحق لم ينشأ إلا بحلول ق 19، وتطور على مداه إلى نهاية القرن20 وما يزال، حيث أصبحت اللغة تعالج بمنطق علمي موضوعي، بعيدا عن كل التأثيرات الفلسفية والإيديولوجية، وأن لاشيء يستحق الدراسة بوجه محايث غير النص اللغوي، في حد ذاته، وهذا ما أسس له ‘سوسير’ في قولته المتواترة " اللسانيات هي دراسة اللغة لذاتها ولحد ذاتها" . وبعد هذا الحسم في موضوع اللسانيات أصبح موضوع المنهج الهم الثاني والقضية الكبرى" وقد شهد القرن العشرون الاتجاهات العامة لوضع الأساس لمنهج علمي جديد"[21]. وقضية المنهج هذه لم تطرح فقط لدى اللسانيات واللسانيين، بل هو الطابع المميز للبحث العلمي في القرن العشرين، حيث المعرفة وإشكال المصطلح يفرض نفسه بإلحاح"،" وهكذا صار القرن العشرون عصرا للتعاون بين المجالات المعرفية المتداخلة الاختصاص… وتتسق الخصائص الأساسية لتطور اللسانيات مع خصائص العلم في القرن العشرين على وجه الإجمال، وتتمثل هذه الخصائص في تحقيق إنجازات ثورية في مجال المنهج العلمي، وسعت آفاق التفكير العلمي إلى حد كبير. وأدى ما تحقق من تقدم عظيم ومتميز للنظرية اللسانية إلى نتائج علمية تقدم إسهامها المتميز لثقافتنا وبيئتنا.

وتختلف اللسانية الآن [ القرن 20] عن لسانيات القرن التاسع عشر على النحو التالي :

اختلاف في التنظيم المنهجي للمعرفة، وفي التفسير للحقائق المعروفة على نحو جديد، وفي توسيع مجال اهتمامها توسيعا ملحوظا، وفي انغماس دارسيها في تعاون يتسم بتداخل التخصصات لإنجاز مهمات واسعة النطاق وفي نقل إجراءات منهجية من فروع العلم الأخرى وإعادة غرسها في مجال اللغة لتحليل الظواهر اللسانية".[22]

إذ، إن" لعلم اللسان علاقات وثيقة بعلوم أخرى، تارة تأخذ من معطياته وتارة تقدم له بعضها" [23]وإنما







تنفرد بهذه الميزة" باعتبارها تنتمي إلى الفيزيائي والبيولوجي والنفسي والاجتماعي" [24].

فاللغة إذن، تجمع بين الجانبين :

أ‌. السيكولوجي (التصورات الذهنية المتمثلة من لدن الذهن البشري).

ب‌. الفيزيولوجي (عملية إحداث الأصوات وسماعها) ويوجز ذلك الرسم التالي :


م



ص

م



ص


تصويت

سماع

م = مفهوم أو تصور.

ص = صور سمعية.



[وفي تعليق على هذا الرسم يشير إلى] " أننا لم نهتم إلا بالعناصر التي حكمنا بأنها أساسية، غير أن هذا الشكل يسمح بأن نميز فيه دفعة واحدة الأجزاء الفيزيائية (التموجات الصوتية) المرتبطة بالجانب الفيزيزلوجي (التصويت والسماع)، والأجزاء السيكولوجية (الصور اللفظية والتصورات)"[25].

و"تتضمن دراسة اللغة قسمين: قسم أول وهو جزء أساسي، وموضوعه اللسان الذي هو مجتمعي في ماهيته ومستقل عن الفرد. وهذه الدراسة هي على وجه التحديد سيكولوجية. أما القسم الثاني، وهو جزء ثانوي وموضوعه ذلك الجانب الفردي في اللغة أي الكلام ويدخل فيه التصويت: وهذا القسم الأخير دراسته سيكولوجية وفيزيائية معا".[26]




المبحث الثاني: البعد النظري والمفهومي للدراسة السيميائية :

1. نشأة المدرسة والدراسة السيميائية :

إن ما يميز العلوم الإنسانية عن العلوم البحثة الحقة التجريبية، كونها تخضع لتجربة ذاتية وموضوعية في الآن ذاته، والذات الإنسانية يطغى عليها الجانب العاطفي، والحضور الإيديولوجي، ومن ثم فهذه العلوم الإنسانية لابد أثناء دراستها استحضار البعد الإيستمي بوصفه القالب أو المعيار الذي تقاس به جدتها: موضوعها، منهجها، نتائجها.

إن السيمائيات، بوصفها علما من العلوم الإنسانية، لا تشذ عن هذا الثابت. فخاصيتها الاندماج ضمن مجالات المعرفة الإنسانية. وإذن، سنقوم [بحفر جينيالوجي] في الأصوليات الأولى لها والمسار الذي قطعته، والتوجه الذي اختارته. ومن تم معرفة إنشاء مدرسة أو مدارس سيميائية لها منطلقاتها الفلسفية والإبستيمية ولها مبادئها ومفاهيمها.

يعد ‘سوسير’ (1857-1913) أول المبشرين بهذا العلم الجديد " السيميولوجيا" في مشروعه التأسيسي: محاضرات. "و نستطيع أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط الاجتماعي. وهذا العلم يشكل جزءا من علم النفس المجتمعي، ومن ثم يندرج في علم النفس العام ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة Semiologie من الكلمة الإغريقية Semion وهو علم يفيد موضوعه الجهة التي تقتنص بها أنواع الدلالات والمعاني. كما يهدينا إلى القوانين التي تضبط تلك الدلالات، وما دام هذا العلم لم يوجد بعد فلا نستطيع أن نتنبأ بمصيره غير أننا نصرح بأنه له الحق في الوجود وقد تحدد موضوعه بصفة قبلية، وليس علم اللسان إلا جزءا من هذا العلم العام".[27]

وعلى الرغم من هذا السبق المعرفي والتنبؤ العلمي لعلم ستكون من مهماته : [دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية]، فإنه - سوسير - لم يحدد هذه العلامة ولم يوجد لها مسارا ولا منهجا يؤدي إلى مدلوليتها، كما أنه أكد أن هذا العلم يمارس وصاية على اللسان." ويظهر مما سبق أن ‘سوسير’ في حين يعرب بوضوح عن ضرورة ارتباط علم اللغة بالسيميولوجيا فإنه يتمنع عن تعريف طبيعة العلاقة التي تربط بينهما، فيما عدا مبدأ اعتباطية العلامة الذي يهيمن على مجموع الأنظمة التعبيرية " وهو موضوعنا" وفي مقدمتها اللغة. إن السيميولوجيا- كعلم للعلامات- عند ‘سوسير’ لا يتعدى كونها رؤية مستقبلية، تتشكل في خطوطها العريضة على شاكلة علم اللغة.

أما عن الأنظمة التي تنتمي إلى السيميولوجيا- بالإضافة إلى اللغة- فإن ‘سوسير’ يقتصر على ذكرها، دون أن يحاول حصرها في قائمة، إذ لا يقدم أي معيار يصلح لتحديد طبيعتها".[28]

وإنما اكتفى بالقول : " إن اللسان نسق من العلامات المعبرة عن أفكار، وهو بذلك شبيه بأبجدية الصم والبكم والطقوس الرمزية وبأشكال الآداب والإشارات العسكرية".[29]

" وبهذا المعنى، يمكن القول إن ‘سوسير’ لم يتجاوز التنبؤ المبدئي بوجود مثل هذا العلم. ولهذا السبب، بقى موضوع السيميولوجيا، عنده، غير محسوم في أمره بل إن السيميولوجيا لم تعمل على أن تبنى نفسها ابستيمولوجيا وإنما اعتمدت في تأسيسها لنفسها على البناء الإبستمولوجي للسانيات.

ذلك أن أدواتها المعرفية ومفاهيمها ووحداتها(…) لا تعدو أن تكون غير ما أمدتنا به اللسانيات السوسيرية"[30]. وهذا إن هو إلا مؤشر على قصور النظرية السيميولوجية عند ‘سوسير’ في نظر ‘بيبرس’ والذي من دون شك، سيأخذ على عاتقه تصحيح مكمن هذا الخلل، وهذا الهجر المعرفي والمنهجي لعلم من خواصه، الشمولية والوصاية على الأشكال التعبيرية. وذلك بأن اعتبر المسألة السيميائية فينومينولوجية، تأويلية وبالتالي فلسفية، مما يلزمه بخلق منهج واضح، له من الآليات ما يؤهل الباحث للتأكد من صياغته النظرية، واعتبر أن أي دلالة إنما تتشكل من علامة، وعليه، فإن أي علامة تنتمي إلى مجال ما، دالة في سياقها الذي ساهم في إنتاجها.

أما عن [جينيالوجيا] أصل التسمية اللفظ ومدلوليته فإننا نجد أن ‘سوسير’، قد وضع لفظة ‘سيميولوجيا’ قاصدا بها العلم الذي يعنى بعموم الدلائل، واللفظة مشتقة من الأصل اليوناني Semeion وتعني "الدليل ". أما بورس فقد وضع لفظة سيميوطيقا للدلالة على العلم نفسه، وأصل هذه اللفظة Semiotiké اليوناني الأصل. وقد تم وضعه من قبل " جالينوس" ليعنى بها " علم الأعراض" في الطب.









وعن علاقة اللفظة ومدلولها في التراث العربي، فإنه لا يتوافر فيه لفظ يعني بهذا الغرض. لقد تم اقتراح لفظة سيمياء ويقصد بها الخيال. وأصل هذه اللفظة عبري: سيم يه ومعناها اسم الله.[31]

"و إذا مضينا إلى المجال العربي وجدنا قضية تسمية هذا المفهوم مطروحة بحدة. ذلك أن القارئ يواجه تعددا وتباينا مصطلحيا يسقطه في الحيرة والارتباك. فإذا كان بعض الدارسين لجأوا إلى اقتراض لفظة La sémiologie من الحقل الفرنسي. وتعريبها عن طريق إضافة مقطع في آخر الكلمة، متكون من ياء مزيدة بعد الجيم المكسورة، ثم إشباعها بمد مفتوح، لتجانس الصيغة المألوفة في تعريب أسماء العلوم شأن البيولوجيا والسوسيولوجيا… فقد آثر فريق آخر تعريب اللفظة الإنجليزية ‘Semiotics ‘ عن طريق قلب كافها قافا وتائها طاء بحكم الجوار الصوتي، وطلبا للمجانسة الصوتية بين الإطباق الصوتي والإستعلاء، تم إشباعها بمد مفتوح، فجاءت تركيبة المصطلح كالآتي : ‘سيميو طيقا’.

ومال فريق ثالث إلى البحث عن مقابل للمصطلح الأجنبي بناء على تركيبه الاشتقاقي، فاقترحت مقابلات عديدة، نذكر منها: علم العلامات وعلم الأدلة. وآثرت مجموعة أخرى من الباحثين التنقيب عن كلمة عربية أصيلة تفي بالغرض، وتؤدي المعنى المراد بالمصطلح أحسن أداء، فوجدوا ضالتهم في مادة لغوية عربية تتضمن معنى الإشارة والعلامة، وهي لا تقترب من اللفظة العربية في دلالتها فحسب، بل حتى في تركيبها الصوتي. إنها مادتا السين والميم تعضدهما حروف اللين، والهمزة أحيانا.

فالمادة في تقليباتها المختلفة، تقوم على نواة دلالية هي (التعليم) و (الوسم). فمادة ‘ س و م’ وتدل في أحد وجوهها على ‘ التسمية’ والإسم كما هو معلوم يوضع للتمييز شأنه شأن العلامة. ومادة ‘ وسم’ تحيل من ضمن ما تحيل عليه- على وضع العلامات المميزة، ومنها وسم البعير بالكي ليعرف ويتميز. وتحيل مادة ‘ س و م’ على السومة وهي العلامة، ومنها سوم الفرس… هكذا تتركب من هذه المادة صيغ خمس هي: السيمة والسيمى والسيمياء والسيماء تتضمن كلها معنى العلامة.

وبذلك اقترح بعض الباحثين لفظة سيمياء مقابلا للمصطلحين الفرنسي والإنجليزي، لاسيما أن صيغته الصرفية ليست غريبة عن صيغة أسامي العلوم في العربية، كاستعمال لفظة الكيمياء للدلالة على المادة، والفيزياء للدلالة على علم الطبيعة، لكن خوف اللبس دفع بعض الدارسين إلى استعمال اللفظة في صيغة الجمع (سيميائيات). و ذلك لتتصرف دلالتها إلى العلم، مثلما هو الشأن مع ‘ رياضيات’ و ‘طبيعيات’".[32]



ذلك إذن، كان تصنيفا للاتجاهات العلمية التي عرضت للمصطلح (سيميولوجيا) و (سيميوطيقا) حيث حاول كل واحد التمسك بالتسمية التي اقتنع بها، ورأى أنها تفي بالغرض والمفهوم الدلالي، وأن ما يميزها- الاتجاهات- كونها توافقت على مدلولية واحدة للمصطلح، " علم العلامات وعلم الدلالة" ، مع إخضاع المصطلحين معا، كل من موقعه، لصيغ صرفية عربية أو إضافة أحرف تناسب المقام الصيغي أو استبدال أخرى متقاربة الأداء الصوتي (المخرج)، أو الحفر في الذاكرة اللغوية والرصد القاموسي لتبرير التسمية، فعل وسم، سيميولوجيا، سيميوطيقا، سيميائيات.

وإذا ما رجعنا إلى السؤال عن ماهية اللفظ/المصطلح وما يثيره من قضايا معرفية والنشوء الفلسفي في بيئته الأوروبية: (سوسير) والأمريكية : (بيبرس)، ومن تم معرفة الفروق التي يثيرها هذا المصطلح في مدرستيه اللتين سنقف عندهما.

فإذا كنا قد حسمنا مع (سوسير) في مدلولية اللفظ Semiologie على أنه [دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية]، فإننا مع ‘بيبرس’ نقف على إشكال كبير في مدلول لفظ Semiotics إذ [هو] [العلم الذي يدرس كل شيء]، وبناء على ذلك، فإنه يشدد على أن "لم يكن بوسعي أن أدرس أي شيء: الرياضيات، الأخلاق، الميتافيزيقا…، البصريات، التشريع المقارن، الفلك، السيكولوجيا، علم الأصوات، علم الاقتصاد، تاريخ العلوم، الرجال والنساء، الخمر،… إلا دراسة سيميائية".[33]

وهو بذلك يجعل (السيميوطيقا)، منهجا للدراسة، كما الشن عند الفلاسفة من قبله. ف" قد استمر اهتمام [هم]، على وجه الخصوص، بأنساق الدلائل. ونذكر من بينهم ‘لوك’ الذي استعمل مصطلح ‘سيميوطسيقا Semiotics ‘ ليعنى به العلم الذي يهتم بدراسة الطرق والوسائط التي يحصل من خلالها على معرفة نظام الفلسفة والأخلاق وتوصيل معرفتهما".[34]

إن من يعتبر ‘سوسير’ المؤسس الأول، للسيميولوجيا، إنما مرد ذلك إلى "حكم انتشار اللسانيات، انتشارا واسعا"[35]. وإلا فإنه " يعتبر سوسير مع بيرس (…) ، الواضع الأول للسيميولوجيا" لأنه" في نفس الفترة تقريبا، التي أفصح فيها سوسير عن هذه الأفكار في محاضراته بجنيف، أعلن ‘تشارل سندرسربورس’ بأنه رائد " السيميوطيقا" : " إني في حدود ما أعلم، رائد في العمل الهادف إلى إعداد حقل وفتحه، حقل أسميه ب " سيميوطيقا"، أي نظرية الطبيعة الجوهرية لكل سيميوزيس ممكن ونظرية تنوعاته الأساسية".[36]

و"في الفترة التاريخية التي كان يصوغ فيها سوسير تصوره الجديد للسانيات ويداعبه حلم في تأسيس علم جديد أطلق عليه السيميولوجيا، كان الفيلسوف والسيميائي الأمريكي شارل سندرس بورس ( 1839-1914)

سماع

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 5  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:40 PM

الفصل الثاني :

الخطاب البصري وتمظهرات المعنى :







"إن المعرفة اللسانية ماتزال تلعب دورا رئيسيا في وصف الوقائع غير اللسانية وتصنيفها"

[سعيد بنكراد]









الفصل الثاني :

الخطاب البصري وتمظهرات المعنى :

المبحث الأول : أنواع الصورة من خلال الإدراك وخصائصها التقنية والدلالية.

1. الخطاب حول الصورة وأنواعها :

إن الخطاب عن الصورة يدور حول تاريخيتها (تطور التقنية الصورية)، في الوقت الذي أصبحت هذه النظرة متجاوزة. وأنه أصبح لزاما علينا أن نغير هذا التوجه، وذلك بهدف الوصول إلى مستوى آخر من الخطاب : خطاب مواز وخطاب تحليلي سيميائي ودلالي يحاول مقاربة وقراءة وتأويلية المستوى الأيقوني والتشكيلي واللساني في المادة البصرية المعروضة في مناسبة ما.

إنه إذن من اللازم التعامل مع الصورة بخطاب بنيوي تكويني، بهدف استخلاص دلائلياتها وخاصة التواصلية منها، خاصة وأن بعض الدراسات، كما سنرى، تفيد أن الإنسان يتذكر 80% مما يشاهده. و"إن الصورة تمنح معناها من النظرة كما يمنح المكتوب معناه من القراءة"[1].

هذا من الناحية الأكاديمية اللهم بعض التجارب الغربية نذكر منها تمثيلا لا حصرا "كـ ميتز وكوني وامبرطواكو و مونان و بارث…"[2]، إذ لو ما هؤلاء و أمثالهم" ما كان سيعرف [الخطاب حول الصورة]، هذا المستوى من الاهتمام العلمي والسجال والتأسيس النظري"[3]، وذلك راجع إلى أنه "لو لم تنتشر الصورة الفوتوغرافية والسينمائية والطباعية [الملصق] والتلفزية، أو بالأحرى لو لم تتطور تقنيات ووسائط إنتاج وتداول الصورة التي صارت حاملا خطابيا ووسيلة تواصل فعالة تحظى بأهمية الموضوع الثقافي بامتياز"[4]. والصورة نتيجة تطور تكنولوجي معقد يتداخل فيها الفيزيائي (كمية الضوء وتشكيل العدسة) والكيميائي (الألوان).

ولكون الصورة وسيطا تواصليا وحاملا ثقافيا، ندعو إلى أن يصبح الخطاب حولها بهويتها المختلفة بنيويا مؤسساتيا. فلكوننا نعيش في سوق توافر لنا المادة البصرية بامتياز من مشارب مختلفة وبتقنيات متفاوتة حسب المدارس، ولكوننا أكدنا فعاليتها ودلائليتها (الصورة) في العملية التواصلية المعرفية بوصفها تندرج ضمن وسائط اتصال جماهيرية، فإن المؤسسة النقدية، والاتجاهات البصرية الأكاديمية هي الوصية بخلق وإيجاد هذا النوع من الخطاب بوصفها تمتلك آليات ومناهج لتحليل الخطاب الصوري / البصري، لتستفيد منها المؤسسة التربوية : المدرسة الابتدائية والثانوية والجامعية، والعليا في اعتماد الصورة و تقرير مسلك للمادة البصرية ضمن مسالكها الدراسية، و بالتالي اعتماد الصورة مصدرا أو آلية من آليات التواصل والاكتساب المعرفي.

إننا نعيش زمن الصورة بالتوازي مع زمن الكلمات، زمن الصورة والكلمة معا، الصورة معنا في كل مساحة نحتلها، ملازمة لنا حتى في لحظاتنا الخاصة. الصورة قوية أكثر منا تخاطبنا بقوة وعنف حادين من خلال تمظهراتها التي تبثها. و أنه بالتالي أصبحنا نعيش تدفقا وسيولة للصورة. "لقد أصبحت الصورة مرتبطة الآن على نحو لم يسبق له مثيل، بكل جوانب حياة الإنسان، ولعبت الميديا، خاصة التلفزيون والسينما والأنترنيت و فنون الإعلان و الإعلام بشكل عام دورا أساسيا في تشكيل وعي الإنسان المعاصر بأشكال ايجابية حينا، وأشكال سلبية حينا آخر. فهناك حضور جارف للصورة في حياة الإنسان الحديث، إنها حاضرة في التربية والتعليم، وفي الأسواق و الشوارع، وعبر وسائل الإعلام، في قاعات العرض للأعمال السينمائية والمسرحية والتشكيلية وفي بطاقات الهوية، وأجهزة الكمبيوتر، وعبر شبكات الأنترنيت والفضائيات والتليفونات المحمولة، و في ملاعب كرة القدم و التنس و المصارعة، وفي العروض الفنية (كالبالي) وفي صناعة النجوم في السينما و التليفزيون والرياضة والسياسة"[5].

كل هذه المجالات ومجالات أخرى : الصحافة والكتاب، واليومي المعيش حيث الصورة؛ يفرض علينا أن نوجد لها خطابا يستمد منهجه و مفاهيمه من السيميائيات من فك الرموز Décodage العلامة Le signe والمؤشر Index والرمز Le symbole و المعنى Sens والدلالة Semantic و المحايثة Immanence، بل و لم لا وكما ذهب إلى ذلك في محاولته C.Metz " تحليل لساني للصورة كما يحلل النص اللغوي".

وتشكل الصورة مجالا ثريا لوضع الأحاسيس والعواطف والتأريخ للذات ومقاومة وقهر الزمان (الخلود)، وأن بشكل رمزي، ولأجل هذه الغية وغايات أخرى، اخترع الإنسان التصوير إلى جانب اللغة حفاظا على ذكراته الثقافية ووجوده المادي و الفيزيقي شاهدا على لحظة قد عاشها هذا الإنسان بالفعل" وحتى لا يسقط الفعل البشري في طي النسيان، يبتدع هذا الإنسان وسائل تقنية لتبقى أنشطته شاهدة على عصره، وتحديا ضد الزمن. وإذا كانت الصورة الثابتة أو المتحركة هي أجلى و أنضج هذه التجارب فقد سعى الإنسان من خلالها إلى التأريخ و ترك آثار لعيون أصبحت مدعوة إلى المشاركة في الفرجة، و بالتالي متورطة في الانتماء لطقوس الجنس البشري.

يعمل من يصور أو يعرض نفسه للتصوير على قهر الموت رمزيا"[6].

وإذا كانت تلك غاية التصوير أو الصورة، فإن لأخذها زوايا : المركز بالنسبة إلى المشاهد الأول : حامل الكاميرا Travling، أو جهاز التصوير Appareil أو الريشة ، أو الرش / الضرب، أو الأصابع.

وهذه الزوايا سنحاول أن نجملها في الخطاطة أسفله :



"زوايا أخذ الصورة"











الأسفل




الأعلى




الخلف




الأمام










أما الأمام فيوحي بالوضوح و استكناه حقيقة من التقطت له هذه الصورة و يقابله ضد الخلف / الوراء. وأما الخلف فينم عن الغموض التام بل و يدخل الملتقى / المشاهد إلى الغوص في أعماق الذات والماورائية الجسدية و تختلف دلالة ذلك بحسب السياق الذي أنتج الصورة، و تدخل ضمن هذا السياق العلاقة الزمكانية بما يحويه الفضاء الذي يؤثث هذه الصورة / المشهد في لحظة زمانية معينة.

والطرفان : الجانب الأيمن و يقابله فيزيولوجيا الجانب الأيسر، بحيث إن نفس المكونات العضوية في الجانب الأول متوافرة في الجانب الثاني بالقوة و الدرجة نفسها.

وأما الأعلى فينم عن التصغير، حيث المسافة كبيرة بين العدسة و موضوعها و يعاكسه الأسفل تكبير حجم الصورة / الموضوع لدلالة ما في ذهن المصور، على أن ما يميز الأعلى كونه يمنح للمشاهد مساحة رؤوية كبيرة و هذه الخاصية تنعدم في الزوايا الأخرى.

والتصوير ممارسة إنسانية وعملية معقدة الإدراك و التحليل، تشخص إحدى سلوكاته النرجسية يتغي المصور والمتخذ له هذه الصورة، التأريخ أو الأخبار عن حالة أو موضوع، أو الإبلاغ عن دلالة ما، أو التأريخ لحدث ما (صناعة الذاكرة).

وكما أن كل كلام دال "فإن كل صورة دالة و أن بالنسبة لمن التقطها، لأنه وبالضرورة ينطلق من خلفية إيديولوجية اختيارية واحترافية (تصوير معقد) هدفها معروف ومحدد وواضح المعنى والدلالة، وقد تكون [هذه الخلفية] هواية اعتباطية (تصوير بسيط) هدفها الاحتفاظ بلحظة عاشها الفرد لحظة ما، فاستهوته وأراد إثباتها تفوقا على آخر لم يكن هنا "ك" و قد يحصل أن كان فيتساوى معه في هذه النقطة.

وإن هذا النوع من الصورة البسيطة يطغى عليها الطابع الذاتي والشخصي (حضور الذات موضوع الصورة على مستوى الأيقون له دلالة خاصة لديه).

على أن التصوير بوصفه ممارسة إنسانية لا يكون أبدا نابعا من لا شيء، و لكن انطلاقا من مجموعة حوافز، تستجيب لرغبات بحسب المجالات التي تتقاسم الإنسان وتدفعه لأن يعيش حياته، وإذن، فـ "إن ممارسة التصوير وإنتاج الصور يستجيبان لرغبات معلنة ومكبوتة نفسية واجتماعية وجمالية وإيديولوجية كذلك. ويمكن أن نحدد حوافز ممارسة التصوير النفسية لدى أصحابها انطلاقا من اعتبار عملية التصوير تلبي خمس رغبات هي : و نحددها نحن كما يلي بإدخال تصرف عليها[7] :


حوافز ممارسة التصوير



الوقاية ضد الزمن



التواصل مع الغير



التعبير عن المشاعر



تحقيق الذات



النخوة الاجتماعية

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 6  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:41 PM

ويبقى التصوير مجسدا لرغبات الإنسان عبر تمظهراتها المتنوعة وهو يتنوع إلى نوعين باعتبار ممارسته[8] :


التصوير باعتبار الممارسة



تصوير بسيط



تصوير معقد



























إن هذه الخصائص المميزة للتصوير الفوتوغرافي أو السينما، تتجسد عبر صور أخرى بصرية وخصوصا التصوير المعقد الذي نجد له امتدادا عبر التليفزيون والملصق و المسرح والكاريكاتير والتشكيل.

وتبقى أهمية الصورة في كونها الحامل الثقافي والاجتماعي والنفسي والإبداعي الجمالي والقيمي والإعلامي، وذلك من خلال الجنس والنسق الذي تنتمي إليه "و تشكل الصورة نقطة توحد بين مجموعة من المجالات، انطلاقا من حضورها كموضوع إبداعي وثقافي لمجالات اجتماعية وثقافية وفنية ويمكن أن نحصر مجموعة من تمظهرات الصورة بحسب طبيعة النسق والجنس الذي تنتمي إليه وتتمظهر فيه من مثل :-الصورة الذهنية - الصورة الفنية - الصورة الشعرية - الصورة الفوتوغرافية - الصورة التليفزيونية -الصورة الإشهارية … إلخ"[9].

على أننا توصلنا إلى تقسيمات للصورة غير تلك التي مرت بنا، وأن هذه التقسيمات تندرج ضمن عنوانين كبيرين يؤطران الصورة بهوياتها المختلفة، وهما :

الصورة الثابتة والصورة المتحركة، وتنضوي تحتهما تفريعات أخرى للصورة بعضها موضوع بحثنا ونجمل ذلك في الخطاطة التالية :



الصورة باعتبار= الوضع = إبداعها و تصورها







الصورة المتحركة

الصورة الثابتة

الصورة التلفزيونية

الصورة السينمائية

الصورة الذهنية (مجردة)

الصورة المسرحية

الصورة المراوية

الصورة الكاريكاتورية

الصورة الفتوغرافية

الصورة الأدبية

الصورة التشكيلية

الصورة الإشهارية

الصورة النثرية

الصورة الشعرية




























2. الخطاب البصري : القراءة والمقومات :

بخصوص التقسيم الذي أجريناه، فإنه مبني على إدراكنا للصورة والتمثل الذي نقيمه حولها والكيفيات التي تحضر بها فينا ومعنا على امتداد سيرورتها الإنتاجية والتلقية ومن ثم الدلالية والجمالية.

فالصورة يلزم أن تخضع لمستويات ثلاثة : المستوى التقني والمستوى الأخلاقي والمستوى الجمالي والدلالي. فالصورة إذن، نتاج تطور تكنولوجي قوي ومعقد ينبني عليه المستويان الأخريان : الدلالي الجمالي والأخلاقي. وهو ما يبرز لنا بشكل جلي ونحن نستقبل صورة أو صورا ما، فإذا كان الجانب التقني وسيلة تستند إليه الصورة والجانب الجمالي والدلالي غاية تسعى إليها فلأنها حبلى بهذه المعطيات الدلالية والإستطيقية وإن تعذر علينا الانقضاض عليها بشكل أدق وأعمق وأكثر مفهومية ونضج أكاديمي ذلك أن مسألة إنتاج وإبداع الصورة متداخلة المجالات والعلوم وجماع ذلك كله المستويان : الموضوعي والذاتي.

فهناك ما هو فيزيائي وكيميائي وبيومجالي والبسيكولوجي والإيديولوجي، وهي عوائق تحد من قدرتنا المعرفية والمنهجية للإلمام بالموضوع من تلك النواحي وهي عوائق تنضاف إلى عائق أساس ومركز وهو غياب مراجع ودراسات تخص هذا الجانب على الأقل المكتوب بالعربية والمترجم إليها. اللهم بعض الدراسات الشحيحة المبثوث في مجلات ودوريات أتيحت لنا فرصة التعامل معها.

إن المستويات الثلاثة التي ذكرناها تتواطأ داخل الصورة في سبيل خلق جمالية وإبلاغية دلالية عميقة حيث تشتغل وفق سياق اختارته البصمة الإخراجية. ومن المعروف أن للسياق دورا حاسما في التلقي الدلالي. وتظهر إجرائيته حين تلقي الصورة، حيث يقوم بدور توجيهي ويربط بين النص البصري والمتلقي إذ لا وجود لتأويلات غير مبررة، وكلما كان السياق ذا فعالية، يكون التواصل بالمعنى الذي يتغياه مرسل الخطاب، "ويحظى السياق بأهمية بالغة في توجيه خطاب الصورة وتأطير دلالات الإرساليات التي تقدمها وذلك باعتباره الرابط المادي والثقافي الذي يصل بين الحامل البصري والمتلقي المفترض كمحدد وسيطي وناظم لعملية التلقي والتواصل"[10].

وإذن، قد تبين لنا دور السياق في كونه الوسيط الرابط بين الخطاب والمتلقي. إن كل صورة تحتفل بمجمل الدلالات التي تدرك عبر سياقات تلقي موضوع الصورة، وكل صورة تبث في متلقيها نوعا من الإحساس يتراوح بين الرغبة والرهبة وبين الجد والهزل.

فالصورة خطاب ذكي تخاطب العقل كما تخاطب الإحساس و الوجدان . فخلال تلقينا خطابا بصريا ما، نتمثله وفق ما تقتضيه ثقافتنا، لأن كل صورة هي تعبير أو إحالة على جماعة سوسيو ثقافية _وإن بشكل ضمني_ أنتجتها وتلقتها إذ "تحيل الصورة بصفة مباشرة أو غير مباشرة على المتخيل الخاص بكل جماعة سوسيو ثقافية…. فالصورة تخلق بينها وبين المتلقي شعورا عاطفيا معينا كالإحساس بالشفقة أو البكاء أو الضحك أو الألم … كما تتحدد دلالتها انطلاقا من مجموعة مكثفة من الرموز"[11]، فالصورة خطاب رامز بامتياز، من خلالها نقرأ حياة الجماعة المنتجة لها ونصل إلى الخلفيات الحضارية والإيديولوجية والمستوى التقني الذي بلغته في زمان ومكان محددين. وكل صورة لشيء ما أو مكان ما أو حيوان ما أو شخص ما، هي امتداد له عبر الزمان والمكان .

وفي عملية تلقي الصورة وقراءتها، المتلقي بحاجة إلى وسيط إدراكي و ثقافي يمكنه من القراءة الجيدة.

إذن، كما هو معروف أن أي خطاب ينتج معنى ما ويستهدف إبلاغه، وكون الصورة خطابا، فهي خاضعة لهذه القاعدة ويبقى المعنى في أي خطاب وفي سيرورة تمظهراته مؤطرا بسياقين: الإنتاج و التلقي وسنعرض لهذا في حينه. إن المعنى تتحكم فيه ثقافة ووسط المتلقي وباختلافه يختلف وينمو وفق ما يقتضيه الكم الثقافي والمعرفي المتوافر لديه وهو ما يمكن أن يؤدي به إلى تجاوز المعنى الأول إلى المعنى الماورائي المستنتج من خلال الإسقاطات المعرفية والسلطة الإدراكية التي يمارسها على الوسيط- قد يكون صورة أو لوحة تشكيلية حيث يقدم تأويلا لتلقيه وقد يحصل ذلك بالفعل عند من له مدرك معرفي أقوى وأرفع مستوى والمرهون بالضروري الثقافي.

إن المعنى يؤطره مستويان حاسمان للحصول عليه بعد استعمال الشيء المضمن له والمستويان هما :

أ- الضروري الثقافي :

أي أدنى مقدار من الثقافة والثقافة هي البيانات الذهنية والتمثيلية التي يقيمها المتلقي خلال سيرورة تعليمية في ذهنه.

ب- المدرك المعرفي :

وهو الحصيلة المعرفية المستجمعة لدى المتلقي إلى حين تلقيه خطابا بصريا ما والتفاعل معه .

وبالأكيد أن أي متلق يتوافر على هاتين الأداتين، بالضرورة تكون قراءته، قراءة جيدة وخلال تلقينا لخطاب بصري ما، فإننا نخضعه لثلاثة مستويات من القراءة :

* القراءة التقنية

* القراءة الوصفية

* القراءة التأويلية

فأما القراءة التقنية فهي محكومة بضابط علمي محض.

أما القراءة الوصفية فلها مقدار معين من العلمية، إذ من خلالها نتمكن من التعرف على المكونات الأيقونية والتشكيلية ونمنحها هويتها.

وتبقى القراءة التأويلية رهينة بالبعد الذاتي والأيدولوجي للذات القارئة وفيها يتم منح المكونات الأيقونية والتشكيلية أبعادا دلالية وجمالية وفق السياق الذي تشتغل ضمنه. ومستويات القراءة هذه تجد مجالها في الصورة المتحركة، خصوصا السينمائية منها. و"يمكن قراء الصورة السينمائية انطلاقا من ثلاث [ة] مستويات:

* المستوى التقني.

* المستوى الوصفي.

* المستوى التاويلي"[12].

وعن القراءة وكيفيتها ودرجة الموضوعية فيها فإنه "يصعب إتمام العناصر التي تتركب منها الصورة درسا، ويرجع هذا إلى غنى المعلومات اللامحدودة للصورة فهي تتشكل كوحدة وككل …. فكل مشاهد أو ناقد يحلل الصورة انطلاقا من نشاطه ووسطه الثقافي.

ليست القراءة الوصفية للصورة موضوعية دائما، بل هي مجموعة من المؤثرات الذاتية لأن انتباه كل واحد يسير حسب أحد العناصر المكونة للمعلومات التي تتضمنها"[13]، لقد تبينا إذن، مدى إسهام الوسط الثقافي في قراءة الصورة والذي يتدخل في منح الأشياء أو الحيوان أو الإنسان وظائف دلالية .

إن الخطاب البصري يقدم نفسه بشكل يربك القارئ ويدخله في عملية تفكيكية للرموز والحركات والإيماءات التي يتضمنها. إن كل صورة تتشكل من منظومة من العلامات التي يمكن أن نتحدث فيها عن الوضوح وأن نفك رموزها كأي خطاب آخر"[14].

ولما كانت الصورة وخصوصا المتحركة منها تراهن في إبلاغها على البعدين الأيقوني والتشكيلي، فإن القارئ ملزم بدراسة الروابط الدلالية ومدى مواءمة كل عنصر للآخر، إذ في كل صورة من هذا النوع "يتزامن الخطاب الأيقوني مع الخطاب اللغوي (أي الصورة والحوار)، وهو ما يفرض على المحلل القيام بدراسة الروابط التي تجمع بين الصورة والنص"[15].

إن الخاصية الأساسية التي ينفرد بها الخطاب البصري المتحرك، هي الترميز والتأثير، فعبر الصور يمكن أن نرمز لمعان شتى، وتشكل السينما مجالا خصبا لهذا النوع الدلالي عبر أبعادها: الأيقونية والتشكيلية واللغوية. فاللغة تجسد الملمح الثقافي والوسط الاجتماعي للمجتمع الموضوع الذي تخبر عنه. وهنا تبرز إجرائيتها في التوجيه الدلالي للأيقونات. وللجهات الأفقية والعمودية دلالتها الرمزية في التقاط الصورة .

فالجهة الأفقية تضم الأعلى والأسفل ، فيما العمودية تضم اليمين واليسار والأمام والخلف، وهي ال تتحرك فيها الكاميرا لتشكيل اللقطات، إذ للأماكن والجهات والديكورات التي تشكل مجال الصورة السينمائية دلالات على المستوى المعيشي واللاشعوري، يشير اليسار مثلا إلى الماضي ويرمز اليمين إلى الحاضر كدلالة على الحركة والتطلع إلى المستقبل في حين يقدم الأعلى كل ما هو بعيد ومثالي ويعني الأسفل كل ما هو قريب وعفوي" [16].

إن تأكيدنا فك الرموز الأيقونية في الصورة المتحركة نابع من كون هذه الأخيرة مجالا ثريا وقابلا لهذا النوع من القراءة فالصورة السينمائية فضاء واسع لتشكيل فالسينما عامة خطاب غني بالرموز والإيحاءات الدالة المنبعثة من أمكنة التصوير ومجالاته حيث تكون الكاميرا وسيلة فعالة –عبر الحركة –لإظهار دلالة الصورة وأهميتها في تشكيل الخطاب الأيقوني"[17] إن الخطاب البصري لما يستهدف الإبلاغ الدلالي، عليه أن يكون قصديا وانتقائيا في التعامل مع مؤثثات الفضاء، فلا يلزمه أن يكون خطابا مجانيا وعفويا وتلقائيا وذلك حتى يكون مبنيا على التوجيهات الإيديولوجية والجمالية والإخراجية ليصبح خطابا مؤثرا بالفعل وليكسب ثقة وعاطفة المتلقي الذي تراهن عليه الرؤية الإخراجية فلا يتم اختيار المنظر السينمائي بصفة اعتباطية إنما وفق طريقة عقلانية تبدأ منذ كتابة السيناريو* إلى عملية التنقيب عن الأماكن المناسبة لاحتضان اللقطة السينمائية"[18].

ولما لم يكن للاعتباطية في الصورة السينمائية مجال فإنها "لا يمكن تجزيئها لكونها تخضع لتسلسل البناء الفيلمي"[19] الذي يخضع المحلل إلى قوانينه المعقدة، حيث تبدو كل صورة في ارتباطها بالصورة الموالية أو المتوارية، ويبقى السؤال حول الصورة السينمائية أو التليفزيونية، الفيلمية منها على الأخص، عن طبيعة العلاقة الجامعة بين الصور ودلالتها.

فإذا ما أردنا القيام بتحليل إجرائي لصورة ما، فيلزم مراعاة ثنائية الماقبل والمابعد، أي استحضار الصور السابقة عليها واللاحقة لها. "فالأمر في الصورة السينمائية لا يتعلق بإشكالية المماثلة وأيقونية الصورة، بل يتعدى ذلك كله إلى دلالة العلاقة التي تربط ما بين جميع الصور الفيلمية وإلى ما يرافق الصورة من مكونات فيلمية أخرى كالصوت والموسيقى … إن تسلسل مجموعة من الصور ضمن النسق الذي يفرضه كل فيلم على حدة لا ينفي عن الصورة الحمولة الدلالية التي تنسجها وهي منعزلة عن باقي الصور. وهذه الدلالة المستقلة تظل ذات حضور خافت ما لم تتدخل الصور السابقة عليها أو اللاحقة لها، إما لتعزيزها وإما لتحويل مجراها إلى دلالة أخرى"[20] .

إن إجرائية مراعاة الصورة السابقة واللاحقة، تبرز لنا ونحن نشاهد مقطعا فيلميا مجتزأ من الفيلم كلا، إذ غالبا ما يتم اللجوء على امتداد الصور المشهدية إلى توظيف مؤشرات سينمائية للدلالة على موضوع قد تم الحديث عنه بشكل تعيني في السياق الفيلمي، وتفاديا لتكرار نفس الصورة يلجأ المخرج، باعتباره الوصي الشرعي لتوجيه الدلالة، إلى الوظيفي التأشيرية كما قد تتم الاستعانة بهذه التقنية ربحا للوقت وكسرا للرتابة المشهدية.

إن قراءة الصورة يلزم أن تبنى على خلفية معرفية ومرجعية ثقافية وإيديولوجية متعددة فبالإضافة إلى توافر هذه الخلفية في المتلقي، فهذا الأخير متعدد ومتنوع من الناحية الإثنية والإيدولوجية وكذا اختلاف زاوية النظر إلى الصورة توجه الدلالة عبر المسار الذي ترسمه ثقافة وانتماء كل متلق وهكذا يشكل المخزون الثقافي رافدا مهما في استجلاء العلامات الرمزية أو التضمينية في الصورة وهذا ما يفسر أن الصورة الواحدة تحظى بقراءات متعددة تختلف باختلاف المعارف التي توظف في عملية القراءة"[21].

إن قراءة الصورة لا تحصل بشكل متدفق ولكن كل متلق يستهلك المنتوج البصري بشكل تدريجي عبر المثيرات البصرية من الثابت إلى المتحرك والغريب ومن الإنسان إلى الحيوان والأشياء تضم الصورة المكونات الجامدة و المكونات المتحركة والمكونات الحية كالناس والحيوان مثلا يرى كل واحد منا هذه الأشياء حسب الأهمية التي يوليها للقطة يمكن أن يشاهد العناصر الحية قبل الحركة"[22] .

إن المثير البصري الوحيد الذي ينجذب إليه المتلقي، هو اللون والتقابل الذي يحصل في مساحة الصورة، فبالإضافة إلى الجانب البسيكولوجي في تلقي الألوان، فإن الوسيط الثقافي له إجراؤه في إضفاء الدلالة عليها. فالرمزية الدلالية لها تختلف من بيئة إلى أخرى ومن منطقة جغرافية إلى أخرى، بل وفي ثقافة مشتركة داخل رقعة بعينها. أن الطابع الدلالي للون يمنح له من لدن جماعة ثقافية معينة بشكل تواضع واعتباطي يتم توظيفه داخل سياق ما فيكسبه رسمية دلالية، والدليل على ذلك، أن نفس اللون قد تكون له دلالة متنوعة داخل نفس الجماعة مما يعرض دلالتها للتناقص، "فقد تختلف رمزية الألوان من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى مما يجعل الصورة تحمل خطابا متناقضا إذا حللنا ذلك من الناحية العقلانية"[23].

تعتمد الصورة الوصف والسرد عبر ثنائيتي الأيقون والحوار، في الصورة المتحركة والأيقون وحده في الصورة الثابتة فصورة واحدة تم أخذها في مكان وزمان معينين قد تكتب حولها صفحات ولن نصل بعد إلى درجة المماثلة وقد قال بارث Barth : "كل صورة بمعنى ما حكاية"، فإضافة إلى المماثلة والمحاكاة التي تنفرد بهما الصورة فالتعبير اللغوي قد يربك القارئ فيما نظرة واحدة إلى الصورة (أي صورة) قد يؤدي بالعقل إلى ترجمات لما رأته العين لحظة الإبصار. " إن ما يمكن أن نقرأه روائيا في صفحات متعددة تستطيع السينما اختزاله في صورة واحدة حيث تتراكم مجموعة من الأشياء في اللحظة نفسها مجسدة في ذلك إحدى خاصيات الفن السينمائي وهي ما يوجد هنا والآن"[24]. والصورة التليفزيونية قد تكون كذاك، فيما الصورة الفتوغرافية تخبرعما "كان هنا"، "ولعل خاصية هذا التعاكس الزمني هي التي تميز الصورة الفتوغرافية أيضا عن الصورة السينمائية، ففي السينما ينتفي "قد كان هنا" (Avoir été là) ليحل محله عنصر يوجد هنا (être là)[25].

قد نعثر في الصورة على مؤشرات سيمائية يتم إرجاعها إلى سياقات أخرى غير السياق الذي تشتغل فيه لاستخراج مداليل أخرى ولذلك فإن الصورة كل un tout، ويجب أن تقرأ كذالك.

قد يكون أخذ الصورة اعتباطيا، أي لا يستند إلى خلفية معرفية تقنية أو ايديولوجية وجمالية، ولكن ذلك لن يحرمها من أداء دلالي. فقد يحدث أن يشتغل كل عنصر وظيفة رمزية جمالية ودلالية. إن شغل كل عنصر ماداخل المشهد التصويري يمنحه حق أداء وظيفته سيميائية ودلالية. فالصورة تنفرد بعرض موضوعها بشكل ملموس، عكس اللغة التي تقدمه بطريقة مجردة. وهي وإن لم يكن بمقدورها نقل الواقع كما هو بسبب العائق المنظوري، فإنها مع ذلك تمدنا بمؤشرات سيميائية من خلالها نشكل هوية الشيء الممثل أمامنا وتمنحه دلالة وفق سياق تلقيه.

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 7  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:41 PM

وإذا ما بحثنا عن عناصر التركيب التقني في الصورة، فإننا نجد المجال والإطار والمكان والزمان والتركيب والإضاءة واللقطة* وهي محكمات البنية التشكيلية للصورة عموما. ولإدراك هذا لاشتقاق التقني، فإن الصورة الفوتوغرافية تلتقي مع السينما أو الصورة السينمائية "في كثيرة من الخصائص سواء فما يتعلق بتقنية التقاط الصور كالإضاءة والتأطير وتركيب الصور… أو فيما يتعلق بقراءة وتحليل الخطاب المتولد عن الصورة الفوتوغرافية"[26] فالصورة الفتوغرافية تعتمد جاهزية المجال وخصوصا البسيطة منها، أما المعقدة فتعتمد التركيب وخاصة لما تكون تستهدف الإبلاغ عن خلفية ما، قد توظف المجال وتزيد عليه أو قد تغيره بالنقص منه، كما توظف تقنية الظل الطبيعي أو الاصطناعي وكذا ثنائية التقريب والتبعيد أو اللعب بالزوايا التصويرية وهي خصوصية تحضر أيضا في الصورة المتحركة وبشكل أوضح وتكون لها في الغالب أبعادا دلالية وجمالية.

إن الصورة الفوتوغرافية مجتزأة قصرا من مجموعة من الصور المشكلة لحياة المجال أو الموضوع الذي تخبر عنه وتحاكيه، وهي بذلك توقف الحدث زمانا ومكانا. إذ يعسر القبض على هذين العنصرين في تحليل الصورة والحكم على كيفية اشتغالهما "فالصورة الثابتة تبدو كما لو أنها نفي للزمن ذلك أننا نجدها محولة اللحظة إلى أبدية"[27].

إذ صحيح أن الصورة الفوتوغرافية تخبر عن حدث قد ولى، وهي أداة لمقاومة الزمن والموت والقهر والتأريخ والسيطرة على الواقع. ولو مجازا، وقد عرضنا لخلفيات ممارسة التصوير. ولما كانت الصورة تنفرد بهذه الخصائص، فإن كل حامل لآلة التصوير يطرح عليه رهان كبير هو "أن يرى ويمكن الآخرين من الرؤية"[28].

وبخصوص الصورة الإشهارية - والتي هي نوع من الفوتوغراف - فإنها تستهدف تسهيل الحياة من خلال تغيير النمطية السائدة في مجتمع بشري وكيان سوسيو ثقافي، وذلك بتقديم بديل حياتي أرقى وأكثر إمتاعا عنوانه البارز "الجاهزية".

فالخطاب الإشهاري خطاب متنوع، يمس الإحساس و الوجدان والعقل، إنه يوظف الاستدلال الحجاجي منهجا إقناعيا للتثمين، يستغل ذكاء "المشهور" وغباوة "المغمور".

و"تعتمد الصورة الإشهارية دائما الإغراء والإبهار"[29]، والثأثير عبر التقابلات اللونية والدلالية والملازمة لمدة طويلة ممكنة، واستبدال الصيغ التمظهراتية وإن تعلق الأمر بذات المنتوج. وفي كل ذلك فهي تسعى إلى القبض على الراهنية التي أنتج فيها ومن أجلها "المنتوج"، تجارة أو فكرا أو إخبارا أو تحسيسا.

وبخصوص الصورة الكاريكاتورية، فإنها تتكون من متغيرات بصرية، خطوط، ألوان، وضعات في أفق التوليف البصري لإحداث تناسق بين هذه العناصر لتحيلنا في الأخير على دلالة قائمة على مبدأ أساس في فن الكاريكاتور وهو "المسخ". و"يعد الأيقون عنصرا أساسيا على مستوى هذا الخطاب لأن جملة العلاقات بين الأيقونات هي التي تولد المقومات الدلالية"[30].









المبحث الثاني : المعنى بين الأداء البصري واللغوي :

1- مدلول الأداء البصري واللغوي وطبيعة العلاقة بينهما : الملصق نموذجا[31]

اللغة ظاهرة إنسانية، وظفها الإنسان للتواصل مع محيطه، سمى أدوات وأشياء بمسمياتها، بفضل قوته الذكائية التي وهبها، واستطاع طيلة وجوده على هذه الأرض أن يحافظ على لغته هذه، ويودعها مضامينه الحياتية : الفكرية والنفسية والاجتماعية والفنية …، وبتطور الزمان تطور الإنسان محاولا التفوق على عصره، فطور تكنولوجيا متقدمة ومعقدة، ومنها تكنولوجيا الصورة، وجعلها أداة تواصلية إلى جانب اللغة، دفعته لذلك نزعته الخلودية.

وقد استطاعت هاتان الأداتان التواصليتان، بفضل التوظيف الإنساني لهما أن تحتفظا بالمضامين الحياتية بشكل انفرادي حينا: اللغة أو الصورة الفوتوغرافية، وحينا آخر بشكل ثنائي، ذلك أنه وفي تمظهراتهما : اللغة والصورة، يتواطآن للاستجابة للرغبة الإنسانية والنزعة الذاتية. وسنكشف عن مساحة وقدرة ودلالة كل منهما وطرق أداءهما للتواصل وإنتاج المعنى، ثم نقف على طبيعة العلاقة الجامعة بينهما. وعلى أي، فإنه لا يمكن أن نفصل اللغة عن السلوكات الإنسانية لكونها دالة على المستوى السيميولوجي، لأن كل نسق دال يمتزج باللغة وأن لم يظهر ذلك على مساحة هذه الأنساق (حالة الصورة نموذجا)، إذ كلما أردنا وصف هذه السلوكات نلجأ إلى اللغة في الحالات السوية (إقصاء لغة الصم). و" إن المقارنة السيميولوجية مقاربة ضرورية لأن كل الوقائع دالة… ومن الأكيد أن الأشياء والصور والسلوكات يمكنها أن تدل، وهي تقوم بذلك بوفرة، إلا أنها لا تقوم بدلك أبدا بصورة مستقلة. إن كل نسق سيميولوجي [والصورة كذلك] يمتزج باللغة "[32].

وإذن ، فقد اتضح لنا أن اللغة حاضرة و بقوة في محيطنا على الرغم من تطور وتعقيد العملية التواصلية في الصورة، و" أن أي شيء لا يدل إلا بالاستعانة بما توفره لنا اللغة من تصور للعالم"[33].

فاللغة نسق لساني دال بامتياز، أو كما سبق معنا فهي مسألة سيميولوجية بامتياز"، حامل لمعنى وأداة للتواصل بامتياز إلى جانب أنساق أخرى تواصلية دالة غير لسانية، والصورة من هذا النوع النسقي السيميولوجي الدال، دالة، " أن إنتاج المعنى وتوفير التواصل يمكن أن يتم بواسطة أنساق غير لفظية [وهي حالة الصورة مثلا][34].

ولقد تبنى ‘بارث’ طرحا بهذا الخصوص، حيث "يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صورا أو أشياع خارج اللغة"[35].

وقصد إدراك العلاقة بين الأداء اللغوي والبصري، فالإشهار غني بهذه العلائق ويوافر لنا مجالا خصبا للدراسة، ولعل التقسيم أسفله يجيب عن هذه العلاقة التفاعلية بين الأداء الأيقوني والأداء اللساني :


تمظهرات الإشهار واللغة


إشهار مرئي ومسموع


إشهار مرئي ومقروء


إشهار مسموع













حالة الملصق Affiche


حالة الإذاعة Radio


نفس خصائص المرئي والمقروء، غير أنها متحركة تعتمد على فضاء أرحب قائم على المشابهة


صورة مرئية معناها محصور، غير متدفق، لا تقدم مجملا للتأويل (سنعرض لهذا بالتفصيل)


صورة ذهنية متدفقة المعاني




















إن النص اللغوي يشتغل بشكل مواز مع الأيقونات وخصوصا المتحركة. وبخصوص الملصق، فإنه يتخذ أيقونا هو الآخر ويتطلب عملية فيزيائية (القراءة)، وتتجلى أهميته أيضا في تعدد حضوره على مستوى الصورة: عنوان، تعليق، نص مواز، شرح الأيقونات، جواب عن سؤال مقدر… واختصارا فإن هذه المستويات كلها رهينة بالبعد السياقي للإرسالية البصرية الذي يعتبر أحد مؤشرات قوة الصورة وإبلاغيتها وبلاغتها كما سيرد معنا لاحقا في كونه يحصر المعنى ويمنع من التسرب الدلالي : La Polysémie، ذلك أنه " إذا كان تحليل السياق والبنية الشكلية والشفرات النوعية المرتبطة بالوسيط والإخراج، يحظى بدور منهجي في تأطير وتوجيه دلالة الإرسالية الأيقونية، فإن حضور النص اللفظي بجوار الصورة، في شكل عنوان أو تعليق أو نص مواز…، يقدم إمكانية ضبط الانسياب الدلالي وتوجيه مدلولات العلامات المشكلة للإرسالية داخل نسقية دلالية، كما حددها بارت في وظيفة التثبيت"[36].

فالنص لا يقدم في الإرسالية البصرية بشكل مجاني اعتباطي، بل هو أساسا يحضر لمنع التدفق الدلالي المحتمل و خصوصا في الملصق الذي يستند إلى مبدأ القصدية، ولذلك " فإن إرفاق الصورة بإرسالية لغوية مكتوبة أو شفاهية - للتعليق أو التوجيه أو التضليل … قد يقلص من إمكانات التلقي ويوجهها الوجهة التي تريدها القناة المرسلة"[37]، إلى جانب وظيفة الترسيخ التي تقوم بدور توجيهي لمعنى الصورة المراد بثه في المتلقي، يتحدث بارت عن وظيفة أخرى للنص اللغوي هي " وظيفة التدعيم Relais [ال] مرتبطة بالنص اللغوي يقوم بإضافات دلالات جديدة "[38].

وتشتغل وظيفتا : الترسيخ والتدعيم بشكل مزدوج لحصر المعنى وسد منبع فقه، ومن تم سد باب التأويل والاكتفاء فقط باستهلاك المنجز البصري واللغوي المقدم بشكل إرغامي للمتلقي، وهو ما يجعلنا نقول إن الصورة تقدم موضوعها بشكل عنيف، و" الملصق يقوم غالبا على وجود محورين هما النص والصورة، وفي ظل هذه الرابطة ينقسم الملصق إلى خمسة أنواع : فهو يمكن أن يكون فقط ويمكن أن يكون النص طاغيا أكثر من الصورة ويمكن أن يكون ثمة اعتدال بينهما ويمكن أن يكون النص مختزلا والصورة طاغية ويمكن أخيرا أن تكون الصورة هي الطاغية على الملصق"[39].

إن هذا التقسيم مبني على طريقة تقديم الملصق لموضوعه ونوجزها هكذا :


نص مجرد من أي أيقون

نص طاغي على الأيقون

اعتدال بين النص والأيقون

النص مختزل والأيقون طاغي

الأيقون طاغي على الملصق


أنواع الملصق باعتبار تركيبه














إن الخطاب البصري خطاب قوي وعنيف والملصق رائد لهذا النوع من الخطاب، فهو يحيل على تعدد الدلالة وسيولة المعنى لذلك يحضر النص اللغوي معه ويقتسم معه المساحة والحيز الذي تحتله الأيقونات، " فلأن الصورة خطاب متعدد المعاني، يتم اللجوء في الصورة الإشهارية- إلى نص لغوي يرافقها من أجل تكثيف المعنى المراد تبليغه وذلك يعني – في الوقت نفسه- إبعاد كل المعاني المحتملة التي من شأنها إحداث لبس لدى المتلقي في فهم مقصدية الصورة ومعناها "[40].

تسعى الصورة الإشهارية لتحقيق خطاب إقناعي : وسيلة وغاية في الآن ذاته، وهو ما يجعلها تستند إلى مبدأ القصدية، ولتحقيق ذلك فهي بحاجة إلى الإيماءة والسلوك الموازي إلى جانب اللغة والأيقون لذلك فهي توظف إرساليتين :

أ‌. إرسالية لسانية :

الملفوظات، وتتنوع حسب اللغة التي تنمي إليها، وذلك بما توافره هذه اللغة من طاقة إبداعية، تصبح مؤثرا من هذا المنطلق على المتلقي، وتستعمل أحيانا اللغة اليومية كالدارجة المغربية لما تمتاز به من قدرة على التواصل مع شريحة واسعة من المتلقين ولما لها من وقع وأثر في نفسيته.



ب. إرسالية بصرية :

أيقونية وتشكيلية : توظف الألوان للجذب والتأثير، وهذا البعد البصري يكاد يكون كونيا مشتركا في الملصقات عكس اللغة، إذ الصورة ليس لها وطن بخلاف اللغة التي لابد فيها من مراعاة المحلية قصد التخاطب وإتمام عملية التواصل، فقد نجد ملصقا له هوية واحدة وموضوع واحد، يؤدي الوظائف الثلاث : الإخبارية والتحسيسية والتجارية على امتداد مناطق جغرافية مختلفة، وإنما يكفي أن تقرأ رسالاته اللغوية مراعاة للخصوصية المحلية والثقافية والسياقية التي يتضمنها الملصق.

وفي كل ملصق نجد ثلاثة مستويات من الدلائل تتفاعل فيما بينها : دلائل أيقونية ودلائل لسانية ودلائل تشكيلية، وهذه الدلائل شفرات تتطلب من المتلقي التمعن فيها وهي : (شفرة الألوان وشفرة الأشياء والشفرة اللسانية)"[41].

وللملصق المعلق خصائص يعتمدها بهدف الإبلاغ، وهي خصائص الإشهار عموما، وأول هذه الخصائص :

Ÿ الصدمة Le choc:

" إن الصدمة إحدى خصائص الملصق وهي من مقوماته الأساسية التي تجعل منه قادرا للإثارة من حيث يكون وقعه على الناظر/ المتلقي شديدا بشكل من الأشكال ويكون التأثير مباشرا"[42]، فالصدمة أول خصوصية للملصق إذن، وهي التي تفتح لنا باب التلقي على مصراعيه.

Ÿ الاستعارة البصرية واللغوية :

إذا كانت اللغة تعتمد على الاستعارة وما شابهها من أساليب البلاغة، لإعطاء الكلام قوة وجمالا، وإمكانية في تعدد المعاني والتأويلات، فإن الصورة أيضا تسعى إلى صياغة موضوعها في قوالب غير مألوفة، "بحيث يستخدم هذا المدخل صورة بصرية لها صفة واضحة للتعريف بشيء آخر، وتذهب هذه الاستعارة إلى حد مخالفة المألوف، من خلال المبالغة في ما يتضمنه الملصق من صور وألفاظ، واختراق الأطر البصرية تستخدم في كثير من الإعلانات، وقد أصبح كثير من هذه الإشارات لغة عالمية مثل إشارة الإصبعين المرفوعين على شكل رمزV للنصر…"[43]، كما أن هذا البعد الاستعاري في بناء الصورة لا يقتصر على استعارة رموز و صور، وإنما يسري ذلك على النص اللغوي الموازي، "فإما أن يستخدم عبارات مألوفة أو استعارات أو تركيبات كلامية لو توقفنا عندها لظهرت لدينا نكات مخبأة أو صور مخيفة أو مواقف متناقضة، والنتيجة تكون أفكارا هزلية تؤدي إلى إعلان ممتع للمشاهد"[44].

Ÿ التصميم البصري :

لابد لخلق جاذبية وجمالية الملصق من وضع تصميم مسبق، يأخذ بعين الاعتبار عددا من العناصر التقنية و الجمالية، مثل توزيع المثيرات البصرية بشكل متواز، "بحيث يجتذب التصميم القارئ ويرضيه من الناحية الجمالية و يعطي تأثيرا أقوى وينقل الرسالة واضحة، ويثير اهتمام المستهلك [و القارئ] بنفسه أو حب الاستطلاع لديه. فهذا المدخل إذن يعتمد على تصميم الإعلان حسب تسلسل بصري مدروس يرتب العناصر البصرية حسب أهميتها ويركز على النقطة الأهم في الرسالة الإعلانية بطريقة ما، قد يكون باللون المختلف أو اللافت للنظـر أو وضعها بشكل مختلف أو عكسي أو مكبر، أو في موقع بارز بحيث تكون أول ما ينظر إليه القارئ"[45].

Ÿ الاختزال :

ويكون على مستوى اللغة والصورة أيضا، لكونه يعرض للقراءة السريعة، فالعين تخطف الإشارات اللغوية والأيقونية في لحظة زمنية محدودة، ومتزامنة.

Ÿ المصداقية :

ففي الإعلانات التجارية مثلا " يثق الناس بالمنتج المرتبط بمنشئه الأصلي، فعندما يعلن عن الجينز أنه أمريكي وعن الشاي أنه سيلاني وعن العطر أنه فرنسي وعن التقنية بأنها ألمانية، يوحي هذا الارتباط بأفضل جودة ويكسب ثقة المشاهد"[46] هذه المصداقية هي أيضا إحدى ما تستند إليها أنواع الملصق من أجل إقناع المتلقي لمشاهدة مباراة هامة (حالة الملصق الإخباري)، أو اتباع قواعد طبية مصادق عليها من طرف مؤسسة صحية ما (حالة الملصق التحسيسي). بيد أن هذا البعد الذي توظفه الملصقات والإعلانات التجارية كثيرا ما يكون أداة للتحايل واستغلال سذاجة المتلقي العادي.

أما الإشهار المسموع فيتم تعيين الموضوع بواسطة تكراره عبر الأثير، بهدف الترسيخ وأحيانا يتم اللجوء إلى الوصلات الموسيقية الخفيفة المتداولة بشكل كبير مع استبدال كلمات الوصلة بموضوع الإشهار بهدف التثمين والتأثير، وهذه الخصيصة تحضر في الإشهار المرئي والمسموع كذلك ، الذي يقوم على مبدأ الإلغاء وجود النقيض ويتم التعبير عنه بواسطة تقنيعه وإضفاء سمات وأوصاف سيميائية عليه بدل تعيينه.

Ÿ " وللملصق بعد تواصلي يحدد (…) في أنه وسيلة وأداة تبليغ وتخاطب بين الناس، وهو الأكثر تأثيرا ووقعا من أي فن آخر ذلك لأنه يستعمل اللغة السهلة والمبسطة والأخاذة حتى يجلب ويشد انتباه المارة

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 8  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:42 PM

الفصل الثالث :

البعد التواصلي والنقدي للخطاب البصري



"فإذا كان لسلسلة من الكلمات معنى، فإن مقطعا من الصور له ألف معنى"

[ريجيس دوبري]















الفصل الثالث :

البعد التواصلي والنقدي للخطاب البصري :

المبحث الأول : إشكال التواصل البصري :

1. مفهوم التواصل وشموليته :

لقد جرى الحديث عن مفهوم التواصل باعتباره مرتبطا أساسا باللغة أداة للتواصل، وساهمت اللسانيات التواصلية في تأسيس هذا المعطى، إلى أن ظهرت السيميائيات علما قائم الذات، حيث أصبح التواصل منفتحا على كل الأشياء والعلامات التي تحمل في طياتها دلالة ما، فتجاوزت بذلك حدود البعد اللساني في العملية التواصلية إلى أبعاد وأنساق تواصلية أخرى أحدثها الإنسان في إطار حاجته للتبادلات الاجتماعية.

ولعل ما تتميز به اللغة من قوة في التواصل بين المرسل باعتباره صاحب المبادرة في التواصل، والمرسل إليه باعتباره هدفا مباشرا للرسالة اللغوية، وقدرتها على استيعاب جل تفاصيل الحياة اليومية للإنسان والتعبير عنها، هو ما حذا بالبعض إلى أن يمايز بين الأنساق التواصلية الدالة، والتركيز على البعد اللغوي في أي عملية تواصلية، "فقلما ارتفعت عقيرة السيميائيين للقول بأن لا تفاضل بين الأنساق الدالة، وأن النسق اللساني لا امتياز له على بقية الأنساق الأخرى، بل خلافا لذلك زعم البعض من السيميائيين ومنهم بارت وكريستيفا بأنه من الصعوبة بمكان قيام أي مشروع سيميائي بمعزل عن الأنموذج اللساني الذي يعد علما قائدا للسيميائيات، وقد خالفوا بذلك دوسوسير شيخ اللسانيات وأمام السيميائيات في العصر الحديث"[1].

وإذا كانت السيميولوجيا تعد "العلم العام لكل أنساق التواصل اللسانية وغير اللسانية"[2]، فإن مفهوم التواصل بدوره سيتغير تبعا لذلك، إذ، إن الوظيفة التواصلية لا تقتصر على اللغة وحدها وإنما هي مرتبطة بجميع الأنساق التواصلية القصدية والدالة، ونعني هنا بالقصدية ذلك الوعي الإنساني الذاتي الذي يدفعه لممارسة سلوك تواصلي، فالقصد جوهر السيرورة التواصلية وعماد المعنى، ولا يمكن أن يكون فعلا نابعا من الضرورات الطبيعة التي تمليها الحاجات العضوية للإنسان، ذلك أن القصد توجه مباشر إلى الموضوع ليتماهى مع فعل الإدراك من لدن الذات، ومن هنا ينبثق الوعي الذي يؤلف ما يطلق عليه كاسيرر [Cassierer] بالمبدأ الرمزي"[3].

وككل عملية تواصلية فإن التواصل البصري يمكن إجماله وتوضيحه في الخطاطة التالية :[4]


المرجع

المرسل

المرسل إليه

الرمز

قناة التواصل

الخطاب

















* المرسل : هو الذي يخلق الخطاب، ويمكن أن يكون فردا أو هيئة معينة.

* المرسل إليه : هو الذي يستقبل الخطاب، ويمكن أن يكون فردا أو هيئة أو حيوانا أو آلة (كمبيوتر…)، لكن في جميع الحالات لا يمكن أن يحصل التواصل إلا إذا خلف وقعا وتأثيرا بينا على المتلقي، وهذا بدوره لا يعني أن عملية التواصل مفهومة، حيث يجب التمييز بين الاستقبال (استقبال الخطاب) والفهم (إدراك الخطاب).

* الخطاب : هو موضوع التواصل، ويتكون من المضمون الذي تحمله المعلومات التي يحويها، فالأشخاص-في مجال السينما أو داخل منظومة السينمائي-يحققون إيصال خطابهم أو عقدتهم المجهولة ويصحبون موضوع تواصل مباشر مع الجمهور عبر الخطاب المرئي الذي يقدمونه.

* قناة التواصل : تعني الطريق الذي يسلكه الخطاب ليصل إلى المتلقي، ويمكن أن يتحدد بواسطة الوسائل التقنية التي يستعملها المرسل من أجل ضمان تسلسل خطابه نحو المرسل إليه، يمكن لهذه الوسائل أن تكون صوتية كالراديو مثلا، أو مرئية كالتليفزيون والسينما… فكل نوع من التواصل المباشر، خاصة الذي تتداخل فيه الشخصيات والجمهور، يتحقق عبر الرجوع إلى وضعيات مشتركة ونماذج لغوية وحركية تتموقع داخل نظام التواصل المتداول.

* الرمز : le code : هو عبارة عن مجموعة من المساطير والعلامات التي يبحث عنها المرسل لتركيب وتبليغ خطابه encodage.

* المرجع le référent : يتم استخلاصه من خلال مضمون الخطاب، أو وضعية المرسل والمتلقي أو من خلال الأشياء الحقيقية التي يرجع إليها الخطاب أو ينبعث منها"[5].

إن الخطاب البصري بجميع أنواعه وتشكلاته، ليس خطابا تلقائيا تم إنتاجه بالصدفة، وإنما تحكمه القصدية التي تتغيى منه إنتاج معنى ما، و"عليه يمكن القول أن اللغة البصرية التي يتم عبرها توليد مجمل الدلالات داخل الصورة هي لغة بالغة التركيب والتنوع، وتستند من أجل بناء نصوصها إلى مكونين :

1-ما يعود إلى العلامة الأيقونية

2- ما يعود إلى العلامة التشكيلية.

فالصورة تستند من أجل إنتاج معانيها إلى المعطيات التي يوفرها التمثيل الأيقوني كإنتاج بصري لموجودات طبيعية تامة (وجوه، أجسام، حيوانات، أشياء من الطبيعة…) وتستند من جهة ثانية إلى معطيات من طبيعة أخرى أي إلى عناصر ليست لا من الطبيعة و لا من الكائنات التي تؤثث هذه الطبيعة.

ويتعلق الأمر بما يطلق عليه التمثيل التشكيلي للحالات الإنسانية أي العلامة التشكيلية : الأشكال والخطوط والألوان والتركيب"[6].

إلا أن كلا من العلامة الأيقونية والعلامة التشكيلية، لا يمكنها أن يؤديا معنى في ذاتهما وفي مادتهما إلا في حدود السياق الذي وظفا فيه وضمن النظام الثقافي المحيط بعملية إنتاج هذا الخطاب، وبعبارة أخرى فإن تأويل الصورة مثل كل تأويل يحتاج إلى بناء السياقات المفترضة من خلال ما يعطى بشكل مباشر، ولا يمكن لهذا التأويل أن يتم دون استعادة المعاني الأولية للعناصر المكونة للصورة، وضبط العلاقات التي تنسج بينها ضمن نص الصورة.

وفي جميع الحالات، فإن الأمر يتعلق باستحضار التمثلات الثقافية الكبرى التي لها علاقة بـ "الأنا" و"الآخر"، ولها علاقة بإكراهات "الزمان" و"الفضاء"، ولها أيضا علاقة بمجمل الروابط الإنسانية وما تفرزه من قيم وأحكام وتصورات يتم إيداعها داخل عضو أو داخل نظرة أو وضعة أو موضوع من الموضوعات المؤثثة للمحيط الإنساني، لتصبح هذه العناصر دالة خارج إطارها النفعي"[7].

وهنا نؤكد على أن مكونات الصورة الأيقونية والتشكيلية، لا تحمل معنى في ذاتها ، إنها تكتسب هذا المعنى ضمن الجماعة الإنسانية وتجربتها ، فالخطاب الثقافي هو الذي يمنح المعنى والدلالة لهذه المكونات .

إن مجمل الدلالات التي تثيرها الصورة من خلال بعديها الأيقوني والتشكيلي ليست وليدة مادة مضمونية دالة من تلقاء ذاتها، وليست وليدة معان قارة ومثبتة في أشكال لا تتغير، إنها أبعاد أنتروبولوجية مشتقة من الوجود الإنساني ذاته.[8]

لكن هذا التعدد الدلالي والمعنوي الذي تسمح به قراءة أي شكل من أشكال الخطاب البصري ، يحيل إلى أن هذا المعنى لا يمكن الحصول عليه وتحديده ، فهذه الحقيقة التي نبحث عنها إنما هي وسائطية –كما سبق التطرق لذلك- ونسبية ، ترتهن إلى الخطابات الثقافية المشكلة لها، والتي تختلف من بيئة إلى أخرى وترتهن أيضا إلى نوعية المتلقي . إن المعنى إذن، يظل سرابا نجري ونلهث وراءه، وما نستطيع إدراكه هو تمظهراته.

وعليه، فدور الباحث في هذا المجال، هو السؤال عن الكيف، أي كيف تؤدي الصورة معانيها ودلالاتها، دون البحث عن خارجيات هذا الخطاب البصري، ولهذا فإننا استأنسنا بمفهوم سيميائي يؤطر هذا القصد، وهو مفهوم المحايثة الذي يعني تحليل النص ، سواء كان نصا لغويا أو بصريا أو إيمائيا، باعتباره نصا منتهيا في الزمان والمكان، أي كبنية مغلقة، فلا نربطه بالظروف التاريخية والاجتماعية..، "فالمقصود بالتحليل المحايث أن النص لا ينظر إليه إلا في ذاته مفصولا عن أي شيء يوجد خارجه"[9]. ويفيدنا هذا النهج السيميائي في تركيز قراءتنا على النص البصري وتفكيكه من أجل إدراك ومعرفة أوجه إنتاجه وطرق أدائه للمعنى. وقد ساهم عدد من الباحثين في هذا المجال إلى صياغة نماذج نظرية للتحليل والدراسة السيميائية، مثل بارث وفلاديمير بروب وغريماص. حاول هذا الأخير وضع صيغة نظرية أساس في تحليل النصوص السردية التي ترتكز على الحكي، وهي لا تتمثل في النصوص اللغوية فقط، بل تتعداها إلى كل النصوص المعقدة والمركبة كالإشهار والسينما والإيماءة.

وقد استطاع غريماص أن يضع خطاطة سردية Le schema narratif، "تستطيع احتواء كل النصوص كيفما كانت وأيا كان وسيطها الإدراكي "[10]. وتتمفصل هذه الخطاطة إلى أربعة عناصر: القدرة والإنجاز والمناورة والمصادقة. ينتمي العنصران الأولان إلى المستوى العملي، وينتمي الآخران إلى المستوى المعرفي . ويهمنا الحديث عن المستوى المعرفي باعتباره الغالب في الخطاب البصري. فالمناورة بنية تعاقدية تواصلية، تهدف فعل معرفة، يحاول من خلاله المرسل دفع المرسل إليه إلى وضع من انعدام الحرية (اللاستطاعة الفعل)/(الطاعة)، "وفي إطار المناورة تطرح مسألة الإقناع ، وهنا تمفصل بين الفعل الإقناعي للمرسل والفعل التأويلي للمرسل إليه"[11]، كل واحد منهما منوط به فعل يجب القيام به: فعل إقناع يشترط القدرة الإقناعية لدى المرسل، والمرسل إليه مطالب بفعل تأويلي يشترط أن يمتلك قدرات كي يؤول. في حال إذا اقتنع بهذا الفعل الإقناعي نقول إن فعل الإقناع قد نجح.

أما المصادقة "فيقوم بها عادة مرسل حاكم، وممارستها تتطلب منه قدرة مطلقة، قدرة لا تحتمل الخطأ، لأنه ضامن الحقيقة وضامن الجميل والحسن، وضامن كل القيم، وهو حارس كل التعاقدات. والمصادقة، سواء أكانت عملية – حين تصادق إنجاز الذات – أو معرفية – حين تصادق كينونة الذات – فهي فعل إبستيمي مصداقي يقوم به المرسل النهائي للتأكد من مدى مطابقة أو عدم مطابقة إنجاز البرنامج السردي، الذي قامت به الذات ، للنظام الخلاقي الذي يعلن عنه أثناء التعاقد البدئي"[12].

إننا حينما نستأنس بمعطيات غريماص السيمبائية، فإننا نسعى إلى فهم ميكانيزمات إنتاج الصورة لدلالاتها وأشكال العلاقات التواصلية التي تعقب عملية الإنتاج والتلقي، فالنصوص الإشهارية مثلا هي نصوص مناورة بامتياز، إذ كل شيء يتم توظيفه من أجل غرض الإقناع، والمستهلك يحاول بشتى الإغراءات الممارسة عليه شراء منتوجX . فإذن، يكون هدف المرسل في الخطاب الإشهرية إقناعيا ، ويبقى على المرسل إليه أن يمارس فعلا تأويليا، قد يسعى إلى تحقيق هدف المرسل(الوجوب) وقد يحدث أن يظهر المرسل إليه اللارغبة في الفعل (مقاومة)، فيرفض القيم الممررة إليه، ويصبح بذلك منتجا لقيم بديل.



2 . إشكال تلقي الخطاب البصري :

يمتاز المجال البصري بتعدد واجهاته وتنوع أشكاله. وقد اكتسحت الصورة حياتنا اليومية داخل البيت وفي الشارع والمؤسسة، مما أفرز نسقا جديدا في أنظمة التواصل، ولم تعد اللغة تحتكر هذا الدور، إذ غدت الصورة هي الأخرى تزاحم الأنساق التواصلية المتداولة، لكن من دون أن تأخذ مكانها .

وتحيط قراءة الرسائل البصرية قراءة مستوعبة، عددا من الإشكالات المعرفية والثقافية التي لا تساهم في بناء فهم سليم لطبيعة الخطاب البصري، ولذلك أحطنا موضوع قراءة الصورة البصرية بنوع من الاهتمام، وذلك للمساهمة في خلق ثقافة بصرية، حاولنا أن نعتمد في سبيل ذلك على عدد من المفاهيم والمناهج السيميائية التي قدمت تجارب نظرية، أسست طرقا علمية لقراءة وفهم الصورة البصرية.

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 9  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:42 PM

لكن المخاض الذي لازالت تعيشه السيميائيات البصرية، والمحاولات الضئيلة في هذا الميدان، جعل مسألة تلقي الخطاب البصري يطغى عليها طابعين :

- طابع إيديولوجي : إذ الملاحظ أن بعض تجارب قراءة الصورة بأنواعها المختلفة، لا تستند إلى مناهج علمية خاصة ومحددة، وإنما تذهب إلى فهم دلالات الصورة من منظور الذات و الإيديولوجية التي ينتمي إليها المتلقي/المشاهد، فقبل أن يتم دراسة صورة أو لقطة ما بطريقة علمية وشاملة، تربط فيها بين أدوار العناصر المشكلة لها وعلاقة أي لقطة مع سابقتها وما بعدها، فإن الأحكام والتقييمات التي تلي عرض الصورة / الفيلم، تعتريها انطباعات إيديولوجية وذاتية، تسقط قيم الواقع والأخلاق والدين على فهم الصورة. وبالتالي نكون أمام مفترق كبير بين ما يسعى المرسل إلى إيصاله من قيم وبرامج وبين مواقف هشة، لا تستند إلى وعي وإدراك آليات إنتاج الصورة وأوجه دلالاتها، وإنما تسعى إلى تنميط هذا الخطاب، وإسقاط قيم خارجية عليه. إن أي تلقي للخطاب البصري يغيب فيه استحضار المناهج الخاصة في تحليله ودراسته، وأي قراءة غير متأنية وغير شاملة وغير متفحصة، فإن مآلها سيكون مآل القراءات الساذجة والذاتية والإيديولوجية.

- طابع أدبي : أمام النقص الحاصل في مناهج تحليل الخطاب البصري، سعى البعض إلى التعامل مع الصورة وفق نماذج تحليل النصوص الأدبية، إذ تكتفي مثل هذه المقاربات بالاهتمام بالبعد الجمالي الإستيتيقي والانطباعي، دونما بحث عميق في تجاويف هذه الصورة أو تلك، قصد إدراك تمظهرات المعنى الذي تؤديه. نجد ذلك واضحا في مجال الفن التشكيلي، الذي لازالت مناهجه النقدية تعتمد على الأدوات اللسانية / الأدبية، والمناهج الاجتماعية التاريخية في تحليلها.

لقد بدا لنا أن ضعف الإنتاجات النقدية في مجال تحليل وتلقي الصورة، هو نتيجة غياب منهج سيميائي علمي واضح، هذا الغياب هو أيضا راجع إلى تعقد تركيبة البنى الداخلية والتواصلية للنصوص البصرية، حتى أصبحنا اليوم أمام تضخم كبير للصورة وتقنياتها العالية على حساب الخطاب الموازي لها.

إن هذا الوضع أفرز لنا شكلين من أشكال تلقي الخطاب البصري: تلقي إيجابي وتلقي سلبي. يعتمد الأول المناهج العلمية المستحدثة لتحليل الخطاب البصري باعتباره نسقا تواصليا سيميائيا، والثاني يجهل أو يتجاهل هذه المناهج، مما ينعكس سلبا على نتائج دراسته.

وفي هذا الصدد، نرى أن الصورة شأنها شأن الخطاب اللغوي.فهي وسيط تواصلي تمرر بواسطته عددا من المعاني والدلالات والقيم، مما يلزم على المتلقي امتلاك قدرات منهجية ومعرفية في سبيل إدراك آلياتها ودلالاتها السيميائية والتواصلية.وعليه، فإننا بحاجة إلى توفير ثقافة بصرية متكاملة لدى المتلقي، تسعفه في قراءة وتحليل الفيلم السينمائي والوصلة الإشهارية واللوحة الفنية والصورة الفوتوغرافية والملصق…وغيرها.

ومن هنا نرى أن المدرسة والجامعة هما فضاءان كفيلان بصقل معارف المتلقين وتطعيمهم بثقافة بصرية، من خلال إدماجها في البرامج والمقررات وضمن الأهداف المسطرة، وذلك بتدريس الصورة، ليس باعتبارها وسيلة بيداغوجية بسيطة لإيصال المعلومة فحسب، وإنما تخصيص مواد خاصة بها تدرسها في ذاتها ولذاتها. وترجع ضرورة وأهمية هذا المطلب إلى ازدياد "الأمية الأيقونية والسمعية بصرية تفاقما بكل أوساط ومستويات المجتمع، فكثيرون هم الذين لا يفقهون تفكيك رموز الصور وغوص أعماقها الدلالية والجمالية والتواصليةَََ[والتقنية]"[13].

وقصد تجنب مساوئ التلقي السلبي للصورة، "فعلى مدرستنا إذن، العمل على تكوين الفرد بتزويده بثقافة بصرية، تساعده على تعزيز ردوده الانتقائية والدفاعية"[14].

































المبحث الثاني : الجسد والأداء البصري :

1. الجسد لغة للتواصل :

يعتبر الجسد أحد الأدوات التي يوظفها الخطاب البصري لبناء إرساليته البصرية، وذلك لما يوافره من إمكانات تواصلية، وهو الأمر الذي ركزت عليه التجربة السيمولوجية في تعاملها معه باعتباره نسقا إيمائيا تواصليا، فهو يعبر عن تمثلاتنا البيولوجية والثقافية. إنه وسيلة للعيش والتواصل وإنتاج الدلالات، وهو الواجهة التي تفضح دواخلنا وأداة لتحديد هوياتنا وأشكالنا فـ "الجسد يحتل مكانة هامة في حياتنا اليومية. إنه المبدأ المنظم للفعل، وهو الهوية التي بها نعرف وندرك ونصنف، وهو أيضا الواجهة التي تخون نوايانا الأكثر سرا"[15].

إذن، يمكن القول إن الجسد لغة من اللغات أو هو لغات -حسب أشكال الإيماءات التي يؤديها- لها قواعدها ومنهجيتها الخاصة في إنتاج الدلالات، هذه الأخيرة هي كل ما يقدمه الجسد من طاقات تعبيرية، وهو موضوع اشتغالنا في هذه الفقرات، بحيث نتجاوز هنا الجانب النفعي في الجسد إلى ما هو قصدي، أي إلى "استعمالاته الاستعارية المتنوعة"[16].

إن الجسد يوافر عددا من الإمكانات الإيمائية والحركات العضوية التي تنشئ لنا دلالات وإيحاءات، لكنه ينشئ هذه الدلالات في سياق ثقافي وحضاري، يتم إدراكها من خلاله. فما دمنا نتحدث عن لغة الجسد باعتبارها لغة قصدية، فإننا نستبعد كل الحركات والإيماءات التي تكون بمحض الصدفة أو الناشئة عن جسد لذات غير مدركة وغير مؤهلة (حالة السفيه والمجنون).

ويشكل النظر إلى الجسد من زاوية أنطولوجية مبدأ أساسا في البعد التواصلي، فـ "يمكن أن نبدأ الكلام عن الجسد من الإشكالية الفلسفية التي وضعها سارتر أثناء تحديده لمفهوم الآخر، بحيث أصبح الوجود لا يكتمل إلا من خلاله وبالتالي من خلال رؤيته وحكمه"[17]. وإذن، يعتبر الآخر مكملا لكينونة هذا الجسد وحاملا لإدراك تفاصيله بايجابياته ونقائصه والآخر أساس أيضا لتكتمل عملية التواصل و التلقي.

وبعد ذلك، لابد من التأكيد على أن لغة الجسد ترتكز على تقنيات وقواعد خاصة لفهم دواخل الذات. فهذه التقنيات هي "الطريقة التي يستخدم بها الإنسان جسده من أجل خلق حالات تعبيرية موغلة في التفرد والخصوصية، كأشكال الوضعة والاستخدام الإستعاري لليدين ودلالات النظرة، ونبرة الصوت، وشكل الجلوس، وكذا اللباس، والنحافة والبدانة … فكل ما يعود إلى هذه التقنيات له موقع داخل السجل الثقافي / الاجتماعي الذي يؤوله ويمنحه دلالاته"[18].

إن مجموعة كثيرة من الاعتبارات تتحكم فينا لتوظيف الجسد، وهي اعتبارات لا تختزل فيه لكونه هيكلا من لحم وعظام ودم، ولكن لكونه أساسا يحتوي على شيء أسمى من ذلك هي الذات الإنسانية / الروح، والتي تشكل المحرك الأساس له بما هو كيان بيولوجي وثقافي، فمن خلال الثنائية الجسدية الطبيعي والمكتسب / الثقافي يمكننا فرز شكلين من أشكال الحركات الجسدية :

أ- الحركات العملية وهي الحركات الطبيعية التي تعود إلى المشترك الإنساني.

ب- الحركات الثقافية وهي تنطلق من الأولى، إنها انزياح يتم انطلاقا من الحركات العملية، فكل الأفعال لا تدرك إلا وفق السياق الثقافي الذي أنتجت فيه.

فلما كان الجسد عبر تنقله في الفضاء ينتج وحدات إيمائية مختلفة "فإن هذه الوحدات تخلق سلسلة من الإنزياحات تقود إلى نوعين من النصوص الجسدية :

إما نصوص "طبيعية" : وهي كذلك لأنها تدرك وفق النص الثقافي العادي أي ما يعود إلى التجربة المشتركة (إنه يأكل إنه يشرب …).

- وإما نصوص ثقافية : تدرك باعتبارها خروجا عن المعيار المحدد للفعل الحركي العملي وفي هذه الحالة فان الانزياح يتم انطلاقا من الفعل الحركي العملي"[19].

ويمكننا الحديث هنا عن تداخل هذه المستويات فيما بينها. فما ينتمي إلى هذا البعد قابل لأن يشتغل داخل البعد الآخر، ويبقى الحل في استحضار البعد الثقافي العام الذي يؤطر هذه المستويات، وإن كان الاستحضار بدوره قد لا يجدي نفعا في فهم حدود العملي والثقافي في سلوكات الجسد.

إن الجسد في كليته أو في عضو من أعضائه محكوم بالاستعمالات الوظيفية النفعية والغريزية ومحكوم كذلك بالاستعمالات الثقافية وفي كل هذا فإن الأهم فيما يؤديه الجسد بصريا ليس هو الإيماءة في ذاتيتها، وإنما ما تؤديه من دلالات، "فالجسد باعتباره بؤرة لتجلي العملي والغريزي والوظيفي والأسطوري / الثقافي، يعيش بشكل دائم تحت التهديدات المستمرة للاستعمالات الإيحائية (الاستعارية)، إننا من خلال هذه الاستعمالات لا نقرأ الحركة ولا نقرأ الإيماءة، ولا نقرأ ترابط هذه الحركات وهذه الإيماءات ولكننا نقرأ فقط النصوص التي تولدها هذه الحركات"[20].

ولعل عملية التأويل الدلالي لما ترمي إليه حركات وإيماءات الجسد في كليته أو في جزء منه خاضعة في كل ذلك للسياق الثقافي، على مستوى القصدي منها، وتشكل هذه الحركات الجسدية من حيث إيحاءاتها الاستعارية اكتمالا دلاليا، و"إن الجسد في هذه الحالات شبيه بالوحدات المعجمية، لا يملك معنى، إنه يعيش على وقع الاستعمالات، الأمر الذي يجعل من إيماءة واحدة منبعا لسلسلة كبيرة من التأويلات"[21]، وأن أي توظيف له في الخطاب البصري بشتى أنواعه تكون وراءه عدد من المعايير والدوافع التقنية والجمالية التي يتخذه المخرج في اختيار الممثلين، ويتبناها الرسام في لوحاته التشكيلية، ويعتمد عليها مدراء المؤسسات الإشهارية في تحديد الأكفأ بتمثيل منتوجه في الملصق الإشهاري أو الوصلة الإشهارية المتلفزة.

إنها اعتبارات تكون قصدية ومسبقة، تحكم نوعية الجسد الموظف ونوعية الإيماءة المراد التعبير عنها. وفي هذا الصدد نرى أن الأهمية التي تكتسيها مورفولوجية الجسد ونبرة الصوت وبلاغة الإيماءة وإبلاغيتها هو ما يحدو بالمخرجين إلى تخصيص عدد من فترات تدريب الجسد والصوت لترويض عضلات الممثل ومقاماته الصوتية، ونجد ذلك أيضا لدى مستشاري المرشحين لرئاسة الدول الكبرى على الخصوص حيث تلقن لهم دروس في الإتيكيت*، وتقنيات الحركة والمشي والمصافحة والابتسامة ورفع الرأس إلى أعلى ونبرة الصوت والأكل … وذلك حتى يكون ظهوره على الشاشة وأمام الجماهير مؤثرا وأنيقا ولبقا. هذا فضلا على أن هذا الإخراج الجسدي المسبق والمهيأ له تضاف إليه لمسات تقنية أخرى قصد تكثيف أدائه السيميائي، إذ يركز الاهتمام على حسن الهندام وملائمته للدور المنوط به، وتكون للمؤثرات الضوئية أثر في إيضاح الصورة فكلما كانت هذه المؤثرات متوافرة وعالية الجودة كلما انعكس ذلك على جمالية الجسد وبلاغته وإبلاغيته والعكس.

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي



الصورة الرمزية فاطمة الفلاحي
مدير عام
رقم العضوية : 2
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 34,403
بمعدل : 22.38 يوميا
النقاط : 10
المستوى : فاطمة الفلاحي is on a distinguished road

فاطمة الفلاحي غير متواجد حالياً عرض البوم صور فاطمة الفلاحي



  مشاركة رقم : 10  
كاتب الموضوع : فاطمة الفلاحي المنتدى : القراءات والدراسات النقدية والبحوث
افتراضي رد: سيميولوجيا الخطاب البصري وإنتاج المعنى
قديم بتاريخ : 11-22-2011 الساعة : 05:47 PM

2. جسد المرأة في الوصلات الإشهارية :

سنحاول في هذه الفقرة الوقوف على نمط اشتغال الوصلات الإشهارية على جسد المرأة، وكيف يتم توظيف الحامل الثقافي / الاجتماعي لهذه الذات. وسنقف عند التوزيع الوظيفي لهذا الجسد بين "المحلي" و"الوافد" : المعيش والمتخيل.

تتوزع المرأة المتداولة في الإشهار المغربي بين نمطين اثنين هما :

أ- نمط محلي عربي أصيل يتكفل بإدارة شؤون اليومي.

ب- نمط أجنبي متحرر شبقي وافد وظيفته تشخيص حالة الإغراء والاحتفاء بالذات .

فالشكل الأول يبرز لنا ملامح امرأة "منبثقة من الفعل اليومي بجزئياته وتفاصيله .. إنها امرأة لا تدرك إلا باعتبار كلية جسدها وأبعاده الوظيفية، إنها تغسل، تنظف، تطبخ … ، فلا وجود لهذه المرأة إلا من خلال تفاصيل ما يحيط بها"[22].

أما الثاني فيعكس لنا خصائص امرأة "تعيش في الذاكرة على شكل موضوع جنسي لا حدود له. إنها اللذة القصوى أو هي الإغراء في شكله الكلي، ولهذا فإنها تحضر عبر جزيئات جسدها بكامل طاقاته التعبيرية : شكل العينين واستفزازية اللباس ولهاث النهدين، وامتداد الذراعين والساقين"[23].

ويبقى التوظيف الإشهاري لكلا النمطين مرتبطا بتنوع المنتوجات، فتارة يتم عرض منتوجات مرتبطة باليومي المباشر/الضروري : الغسيل، خرق الأطفال، القضاء على الناموس .. وهنا نكون أمام النموذج المحلي، حيث تظهر لنا المرأة المغربية بلباسها المنزلي اليومي وحماسها وتوقدها … وتارة أخرى يتم الاحتفاء بالذات ويختفي الحجب عن الجسد المقدم/العارض، وذلك لعرض أشياء لها ارتباط بالمتعة الكمالية والإغراء الجنسي وأشكال الوضعات والجلوس والمشي، إنها لا تحكي شيئا عن المنتوج، ولكنها "تحكي قصصا شتى عن الجسد الحامل للمنتوج"[24].

ولعل ما يثيرنا في هذا الصدد، هو تلك العلاقة بين المنتوجات المعروضة وبين الأوضاع الجسدية وتعابير الأعضاء، ثم تفاعل هذين العنصرين داخل نوعية من الفضاءات المخصصة للعرض والتداول، يتم اختيارها بعناية فائقة.

تقدم الوصلات الإشهارية صورا عن عدد من المنتوجات الخاصة بمواد التنظيف والطهي ومحاربة بعض الآفات والحشرات …وغيرها من المتوجات التي تعود إلى شؤون البيت، تتولى تقديمها وعرضها "نساء من مختلف الأعمار، وذلك ضمن مؤسسة الأسرة، ووفق تقاليدها في العيش والتربية وتوزيع الأدوار [جدة وأم أو زوجة أو عروس]"[25].

ويرجع إسناد هذه المهمة إلى هذه الفئة، إلى عدد من الاعتبارات منها "الطابع الشعبي"[26] الذي تحيل عليه هذه النساء، سواء في الإسم الذي يكشف عنه في بعض الوصلات (خديجة / عائشة / زهرة)، أو المحيط الذي يدور بها من ديكور وفضاء (سطح المنزل / الشارع / إمام البيت / البادية / الأحياء الشعبية بالمدينة …)، أو على مستوى الوضعات الجسمانية المرتبطة بالحياة اليومية الاعتيادية والبسيطة، حيث تحضر السيدات "من خلال بعد واحد يتخلل الوصلة من أولها إلى آخرها"[27]. فلا تكاد تجد لتضاريس جسدها أثرا أمام ما يحيط به من أثواب تخفي معالمه مما يغيب لدى المشاهد تفاصيل وجزئيات هذا الجسد، فالموضوع البصري لا ينبني في جميع هذه الوصلات، انطلاقا من تبئير للجسد في جزئياته ومكامن الرغبة فيه، وإنما انطلاقا من حجم الحضور الثقافي"[28].

في هذا الصدد نكون فقط ملزمين بالحديث، ليس عن تفاصيل هذا الجسد ومراميه الدلالية ولكن عن ما يخدم الفعل و الحاجة. ففي هذا النمط المقدم نجد "الاستعمال المفرط لليدين والرجلين والرأس وتعد هذه الأعضاء كما هو شائع في التواصل الإيمائي عناصر بالغة الأهمية وأكثرها قدرة على توصيل الإرساليات ونشرها"[29]. فالاستعمال المفرط لليدين هو الغالب في هذه الوصلات، لأنها مرتبطة بالحركة في عملية "الفريك" و"التصبين" و"تخريق الطفل"، أما الأرجل فهي تتحرك على مستوى الفضاء وينذر الحديث عن إيماءة الرأس، اللهم في حدود الصوت، ورسم الوجه والمحيى الذي يظهر الإعجاب والانبهار أو التردد، ولا حديث أيضا عن الشعر والعينين أو الشفتين، فهي إذن، أعضاء يتم تغييب إيماءاتها ودلالاتها في مثل هذه الوصلات الإشهارية، وإذن فإن هذه الوضعات الجسدية التي تقدم في هذا النمط. يسهل إبرازها من خلال الصورة كما لا يحتاج إدراكها إلى عناء وجهد، إن الوصلة هنا "تقصي أي استعمال استعاري لهذه الأعضاء. إنها تركز على البعد التقريري الوظيفي الذي يستند في إدراكه إلى التجربة المشتركة فقط"[30].

تستلزم هذه الوصلات الإشهارية المرتكزة على الحاجات اليومية، إقناع المشاهد بضرورة اقتناء السلعة واستهلاكها، ولتحقيق هذا الهدف تنشأ مواضعات خاصة في عملية العرض، تتسم بالكلاسيكية، "فالوصلة في حاجة لكي تقنع، إلى الكلام وحركات اليد والرأس، وهذا يستدعي نوعا خاصا من الوضعات : إما وضعة مواجهة ‘أنا’ مباشرة تتوجه إلى ‘أنت’"[31]، مثل أن تتقدم امرأة وتحكي جالسة أو واقفة عن أهمية المنتوج ‘س’، مظهرة فرحتها بالمنتوج ومركزة على بعض الأشياء الداعية إلى شراء السلعة (الجودة والثمن مثلا) و"إما من خلال لقطة من بعيد تمثل لمشهد تطبيقي يراد به البرهنة العملية على صلاحية منتوج ما"[32]، كأن تدرك امرأة متقدمة في السن جارتها، مرشدة إياها إلى مسحوق جيد، لا يضر أو لا يلحق ضررا بالثوب وفي ذات الوقت يحدث بياضا هائلا …

هكذا إذن، تتآلف الإيماءات والحركات مع طبيعة الفضاء، لتقدم برنامجا بصريا خصص لنوع من المنتوجات الملائمة للسياق المعروضة من خلاله، فهي إذن، اختيارات محكومة بدراسة للعمق الثقافي والحضاري الذي يؤطر الفئة المجتمعية المستهدفة، فلا يعقل أن يسند عرض عطر باريسي لامرأة مسنة بلباس محتشم، يحجب تفاصيل الجسد، وفي غياب لأية شبقية جنسية تومئ إليها مواضعات الجسد وحركات العين والشفتين واليدين مثلا، فكل هذه الحالات السالفة الذكر هي "في صميمها أوضاع تحيل على تحديد مسبق للذات النسائية في صيغتها المحلية، حيث يطغى الدور العملي والجنسي / التناسلي (أدوار الأم والجدة والزوجة )… إنها حالة ضبط طوعي للجسد أو هي انضباط جسدي تتخلى بموجبه المرأة عن فرديتها أو أنوثتها وجمالها، لتحتل موقعا داخل مؤسسة"[33]، وهي البيت والقيام بأعبائه.

وفي جانب آخر وعلى خلاف الحالة السابقة، هناك نمط إشهاري يقدم سلعة أخرى تتطلب تخصيص نوع من النساء جديد، يختلف عن النموذج الأول في الحركة والإيماءة واللباس والجسد، إنها تعرض سلعة تتماشى والأنوثة التي تتدثر بها في الوصلة الإشهارية (عطور/شامبوان/سيارات فارهة/هواتف عالية التقنية …)، وهي لا تعرض المنتوج أو تدعو لاقتنائه، إنما تعرض جسدها وتقدم مناطق الرؤية والإغراء والاشتهاء"[34]، وبالتالي فهي تدرج المنتوج ضمن غطاء إيحائي لا تتسرب معه صورة المنتوج واسمه إلى اللاشعور إلا متدثرا بحالة إثارة أو رغبة جنسية"[35]، إنها المنتوج نفسه أو وجها من أوجهه التي يساهم في صنعها.

لقد سعت الوصلات الإشهارية في هذا المستوى إلى اللعب على الطابوهات والممنوعات، والتركيز على طراوة الجسد وجماله، وإبراز شبقيته وإغوائه، في سبيل الكشف عن نتائج المنتوج بمستعمله، والكشف عن ما يحصل للذات المستعملة له في حركات الأيدي والعينين والشفاه وطرق التنقل في الفضاء.

ويعتمد الإدراك البصري في هذا المستوى الإغرائي المركب على سننين : عملي نفعي، والآخر استعاري متأصل من الأول، و"هكذا فإن البرمجة المسبقة للأفعال (التسنين الذي يفترضه الإدراك) تنتشل العضو من استعماله المباشر لكي تمنحه –صراحة أو ضمنا– استعمالا استعاريا، وعبر هذا الاستعمال الاستعاري نحصل على المضامين المتعلقة بالإغراء ومن هنا جاز لنا القول إن الإغراء في جوهره كوني، أما الغسيل والتنظيف فمحليان"[36].

أما على مستوى الفضاء، فإنه على عكس الفضاء المغلق الضيق في الحالة الأولى، فإن المرأة في الحالة الثانية تتحرك ضمن فضاءات ممتدة، وتكتنز دلالات وإيحاءات إيجابية. "إنها تتحول في الشوارع (الإعجاب) أو تتهادى في ممرات الحرم الجامعي حيث المعرفة والعلم، وحيث الشباب والانطلاق واللامبالاة (التنافس بين الأقران)، أو وسط طبيعة غناء تعج بالحياة والحيوية"[37].

وتظل المناطق الشبقية في جسد هذه المرأة هي ما ترتكز عليها الوصلة الإشهارية في هذه الحالة. فالجسد هنا ينزاح عن الاستعمالات العملية النفعية، ويقدم نفسه على شكل عدد من الإيحاءات الرمزية والإستعارية الجنسية. إنه يثير ويغري ويصدم، على عكس المرأة المحلية التي تحاصرها الغايات والحاجات اليومية، داخل فضاءات مغلقة تحد من قدرة الجسد على الحركة وتأليف الإيماءات الإيحائية، فضلا عن حواجز الغطاء والثوب الذي يلف تضاريس الجسد ويكبح إمكانية إنتاج دلالاته الشبقية. وفي الحالة الثانية "عيون المرأة لا تمسك بالمنتوج ولا تحذق في المشاهد، وهي لا ترى الطريق .. إن عينيها تستوطنان حالة نشوة قصوى تشبه حالات الجذب أو حالات اللذة الجنسية القصوى"[38].

إن الصورة هنا تعيد خلق الأدوار والإيماءات، فكل من العينين والشفاه والشعر والرجلين … أعضاء تؤدي إيماءات وحركات غير طبيعية، وغير نفعية، بل تحيل على الرغبة والقبول والبسمة والنشوة والمتعة. إنها الفردانية الممتدة في فضاءات التحرر والاحتفاء بالذات.

وإذا ما تتبعنا تمظهرات الجسد عبر سيرورته التواصلية والدلالية، فإن حضوره في هذا المستوى يكون أكثر قوة وأداء في الوصلة الإشهارية، عكس حضوره بين الأيقونات الأخرى (الفيلم مثلا).

في هذه الحالة، فإننا ننظر إلى الجسد بكونه حاملا ثقافيا فقط، يدخل في صراع مادي مع الآخر، يعبر عن قناعاته ويبدي نوازعه العاطفية وقد لا يثيرنا ولا يؤثر فينا بل في كثير من الأحيان نبدي تجاهه تعاطفا أو قسوة تبعا لقوة مضامينه التي يمررها في سياقات متفاوتة، ومع ذلك ويبقي متخيلا في ذهننا من خلال مسار دلالي معين.

توقيع

قناتـــي
مدونة النــأي
منتديات ليل الغربــة
مدونـة موسوعـة شارع المتنبــي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي
موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
موقعي في الحوار المتمدن - عربي


إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 08:43 AM


جميع الحقوق محفوظة لــــ موسوعة شارع المتنبي 2010

a.d - i.s.s.w